وهكذا نرى أن المنهج قد جاء يزكيكم أي يطهركم وينقيكم وينميكم في كل مجال من مجالات الحياة. ﴿ ويعلمهم الكتاب والحكمة ﴾ [آل عمران: 164] وساعة يقول الحق: " الكتاب " فهو يقصد الكتاب المنزل إنه القرآن، والحكمة هي السنة. والحق يقول:
واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا
[الأحزاب: 34]. وآيات الله معروفة وهي آيات القرآن، والحكمة هي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهنا يقول الحق: ﴿ يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب ﴾ [آل عمران: 164]، إذن فالكتاب هو القرآن، سيتلو عليهم آيات القرآن وبعد ذلك يعلمهم ما جاء في هذا الكتاب. بعض المفسرين قال: لا بد أن نحمل " الكتاب " هنا على معنى آخر غير القرآن، فقالوا: الكتاب يعني الكتابة، وأول عمل زاولوه في الكتابة كتابة المصحف. إذن فالتقى المعنيان، ولذلك في غزوة " بدر " كان يتم فداء الأسرى إما بالمال وإما أن كل أسير يجيد القراءة والكتابة إذا أراد أن يفدي نفسه فعليه أن يقوم بتعليم عشرة من المسلمين القراءة والكتابة فقد كانت الأمة أمية يقول سبحانه وتعالى:
هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة..
[الجمعة: 2]. لذلك نجد أن تفسير الكتاب بالكتابة هو المناسب للأمية، أو خذ هذه اللقطة على أساس أن هناك فرقا بين التلاوة والتعليم، التلاوة: يتلو عليهم، أي أن الرسول هو الذي يتلو، والتعليم يكون بأن يتلوا هم القرآن. ﴿ ويعلمهم الكتاب والحكمة ﴾ [آل عمران: 164] و " علم " أي نقل العلم من معلم إلى معلم. ويختتم الحق هذه الآية بالقول الكريم: ﴿ وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ﴾ [آل عمران: 164] وهناك أساليب تأتي في القرآن فيها " إن " وتجد كل " إن " في موضع لها معنى يختلف عن الآخر، فمثلا تأتي " إن " شرطية، يعني يأتي بعدها فعل شرط وجواب شرط مثل قوله الحق:
إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله..
[آل عمران: 140]. أي إن يمسسكم قرح فلا تيأسوا ولا تبتئسوا. فقد مس القوم قرح مثله، وقوله الحق:
إن تبدوا الصدقات فنعما هي
[البقرة: 271]. إننا هنا نجد أن " إن " شرطية، ففيه شرط وجواب شرط. ومرة تأتي " إن " وبعدها " إلا ":
إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم..
[المجادلة: 2]. وهو سبحانه يتكلم هنا عن الذين يظاهرون من نسائهم، أي يقول الرجل لامرأته: أنت على كظهر أمي، إن أمك هي التي ولدتك وامرأتك لم تلدك، فلو كانت أمك لكانت محرمة عليك، " إن أمهاتهم إلا اللائي " ، فعندي هنا " إن " وبعدها " إلا " وما دام جاءت " إلا " فالذي بعدها يكون مثبتا، والذي قبلها يكون منفيا، مثل قولنا: " ما قام القوم إلا زيدا " إن زيدا مختلف عنهم. " إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم " أي: ما أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم، إذن ف " إن " هنا ليست شرطية لكنها هنا " إن " النافية وتعرفها بوجود " إلا ". ومرة ثالثة تأتي " إن " لا هي شرطية، ولا هي نافية مثل آيتنا هنا ﴿ وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ﴾ [آل عمران: 164]. ونقول: هذه " إن " التي هي تخفيف " إن " أي " إن " هنا مخففة من الثقيلة ويكون المعنى وإن الحال والشأن والقصة والواقع أنهم كانوا في ضلال مبين. ويقول النحاة: اسمها ضمير الشأن - أي الحال والقصة - وهو محذوف. وما هو الضلال؟ يقولون: ضل فلان الطريق أي مشى في مكان لا يوصله للغاية، أو يوصل إلى ضد الغاية لأن الضلال في الدنيا والأمور المادية قد لا يوصلني لغايتي المرجوة، وقد لا يوصلني لشر منها أو لمقابلها، لكن في الأمر القيمى ماذا يفعل؟ إنه لا يوصلك إلى الغاية المرجوة وهي الجنة فحسب ولكنه يوصل للمقابل وهو النار، هذا هو الضلال المبين، إنه ضلال واضح بدليل أن النقائص التي جاء الإسلام ليطهر الإنسان منها، يحب مرتكبها ألا تعلم عنه وسط الناس، فالسارق يسرق لكن لا يحب أن يعرف الناس أنه لص، والكاذب يكذب لكن لا يحب أن يعرف الناس أنه كذاب، بدليل أنك عندما تقول له: يا كذاب تكون له صاعقة. إذن فالنقيصة تفعل وصاحبها لا يريد أن يراها أحد أو يعرف بها. ﴿ وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ﴾ [آل عمران: 164] أي ضلال ظاهر وهو ضلال يعرفه صاحبه بدليل أننا قلنا في قصة سيدنا يوسف حيث نجد في القصة اثنين من الفتيان قد دخلا السجن، وماذا حدث لهما: