تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فبتداعي المعاني في النفس الإنسانية يكون - سبحانه - قد حرك ملكة واجدة ومالكة قبل أن يحرك ملكة معدمة. وهكذا يكون التوازن الذي أراده الله في الكون المخلوق له. إنه رب يحكم كونه، فلا ينسى شيئا ويذكر شيئا.

لا يضل ربي ولا ينسى

[طه: 52] إن كل شيء في علمه كما قدره وهو الخلاق القدير العليم، وهو لا يذكر بعضا من الخلق، وينسى بعضا آخر، فهو قد كتب العدم لحكمة، وأعطى النعمة لحكمة. لقد جعل الفقير عبرة، ولكنه لم يتركه، وذلك حتى يرى كل إنسان أن القدرة على الكسب ليست إلا عرضا زائلا، فمن الممكن أن يصبح القادر الآن عاجزا بعد دقائق أو ساعات، ومن الممكن أن يصبح القوي ضعيفا، فإذا ما علم القوي أو القادر ذلك فإنه يتحرك إلى إعطاء الآخرين حتى يضمن لنفسه التأمين الإلهي لو صار ضعيفا، فيعطيه الأقوياء، فعندما يأمر الله الأقوياء بأن يعطوا وينفقوا فإن عليهم إن يستجيبوا لأن الواحد منهم لو صار ضعيفا فسوف يأخذ. إذن فقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ﴾ [آل عمران: 92] هذا القول قد خدم قضية سبقتها، وهي أنه لن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به، ما دام كافرا، إنها نفقة مرفوضة لا اعتبار لها، إنها هدر. ويأتي من بعد ذلك بتحديد النفقة التي ليست هدرا، ثم يفضح اليهود بقضية توجد عندهم في التوراة ولكنهم كذبوها، وهي قضية تتعرض للطعام، وما دامت القضية تتعرض للطعام فهناك الكثير من الملكات التي يمكن أن تتحرك، فملكات الواجد حين تتحرك فحركتها تكون بأسلوب غير الأسلوب الذي تتحرك به ملكات المعدم. فقيل أن يحرك وجدان المعدم إلى أنه معدم، حتى لا يتلقى ذلك بحسرة، فإنه سبحانه يكون قد عمل رصيدا لهذا المعدم، فيرقق قلب الواجد أولا ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم ﴾ [آل عمران: 92] وبعد ذلك يأتي قوله الحق سبحانه: ﴿ كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين ﴾ [آل عمران: 93]. ومعنى كلمة " حل " هو " حلال " ، ويقابلها " حرام " وحل هي مصدر، وما دامت مصدرا فلا نقول " هذان حلالان " بل نقول: " هذان حل " ، ونقول: " هؤلاء حل " وإن شئت فاقرأ قوله تعالى:

يأيها الذين آمنوا إذا جآءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن..

[الممتحنة: 10]. " لا هن " هذه لجماعة النساء، والحل مفرد، وعندما يقول الحق سبحانه: ﴿ كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه ﴾ [آل عمران: 93] فهذا يعني أنه قد حرم بعضا من الطعام على نفسه فهو حر في أن يأخذ أو يترك، أو أنه قد حرمه على نفسه فوافقه الله لأن الناذر حين ينذر شيئا لم يفرضه الله عليه فهو قد ألزم نفسه بالنذر أمام الله. إن الزمن الذي حرم فيه إسرائيل على نفسه بعضا من الأطعمة هو ﴿ من قبل أن تنزل التوراة ﴾ [آل عمران: 93] أي أن هذا التحريم لم يحرمه الله، ويأتي الأمر لرسوله الكريم أن يخاطب بني إسرائيل: ﴿ قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين ﴾ [آل عمران: 93] إنه قد كشف سترهم، وعلموا أن الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم أن النص الذي يؤيد صدقه موجود في التوراة، ولهذا لم يأت اليهود بالتوراة، وذلك لعلمهم أن فيها نصا صريحا يصدق ما جاء به رسول الله، ولا يحتمل اللجاجة، أو المجادلة، وما داموا لم يحضروا التوراة فهذا يعني أنهم غير صادقين. ويقول الحق: ﴿ فمن افترى على الله الكذب... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٦٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٦٨٢