تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" قد كان العباد يكافئون في الدنيا بالمعروف وأنا اليوم أكافئ بالجنة ".

إن الحق سبحانه الذي يعطي البر ثمنا لنفقة مما تحب يعلم هل أنفقت مما تحب فعلا أو تيممت الخبيث لتنفق منه، فإياك أيها المؤمن أن تخدع نفسك في هذا الأمر، لأن الذي يعطي البر ثمنا لنفقة مما تحب يعلم خبايا النفس، لذلك يقول سبحانه: ﴿ وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم ﴾ [آل عمران: 92]. وعلم الله شامل، إنه يعلم ما في نيتك، وكيف أنفقت. ولقد بين الحق سبحانه النفقة المرفوضة حتى ولو كانت ملء الأرض ذهبا، ثم أوضح لنا أن هناك نفقة مقبولة وجزاؤها الجنة، وبذلك نرى التقابل بين النفقتين ولماذا جاء هذا الحديث؟ لقد كذب بعض أهل الكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مستهل أمر الدعوة وكذبوا البشارة به، والنعت والبشارة جاءا في التوراة والإنجيل، وأنكروا الأوصاف التي ذكرت في كتبهم السماوية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتمادوا ومحوا هذه الأوصاف من كتبهم. حدث ذلك مع أنهم قد تورطوا من قبل في إعلان البشارة به

وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به

[البقرة: 89]. لقد أراد الله أن يفضحهم في التوراة التي يعتقدون أنها كتابهم وقد حرفوا بعض أحكام الله، وظنوا أن هذه التحريفات ستظل مستورة، لذلك جاء لهم بأحداث ولم ينتبهوا إليها لتقوم الحجة على أنهم قاموا بتحريف التوراة مثلما قلنا من قبل عن الخيبرية التي ارتكبت فاحشة الزنى، وأراد رؤساء اليهود أن يخففوا العقوبة عنها، لأن العقوبة الواردة في التوراة على جريمة الزنى هي الرجم وقال هؤلاء الرؤساء: " نذهب إلى محمد، لعل لديه حكما مخففا " فلما ذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وضح لهم أنه الرجم. قالوا: لا، إنك لم تنصف في حكمك. فبين رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم إنه يرضى بحكم التوراة التي عندكم وجيء بالتوراة وأمرهم الرسول أن يقرأوا فلما جاءوا إلى آية الرجم أرادوا أن يغفلوها فقال ابن سلام: إنهم يا رسول الله قد وثبوا وأغفلوا الآية. وهكذا انتبه الجميع إلى أن رؤساء اليهود أرادوا ان يتخطوا حكما لله موجودا عندهم وأرادوا أن ينكروه، كما فعلوا وأحدثوا في وصف النبي عليه الصلاة والسلام ومحوا هذا الوصف، ولم يتركوا له أثرا، لكن الله أنساهم بعض الأشياء لتكون بينة وآية على رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعندما أحل الرسول صلى الله عليه وسلم الإبل وألبانها، قالوا: هذه محرمة من أيام إبراهيم ومن قبله من أيام نوح، ولا يمكن أن نقبل تحليلها، فوضح النبي صلى الله عليه وسلم لهم أنها ليست محرمة، الله أحلها. وكان يجب أن يفهموا أن الإبل وألبانها حتى وإن كانت محرمة من قبل إلا أن رسولا قد جاء من عند الله بتشريع له أن ينسخ ما قبله مع أن الإبل وألبانها لم تكن محرمة، لذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يحتكم إلى التوراة.

وهذه هي العظمة النورانية المحمدية، فلا يمكن أن يقول صلى الله عليه وسلم: " نحتكم إلى التوراة " إلا وهو واثق أن التوراة إنما تأتي بالحكم الذي يؤيد ما يقول، مع أنه لا يقرأ ولا يكتب. ويحضرون التوراة، فيجدون الكلام مطابقا لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك قال الله: ﴿ كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين ﴾ [آل عمران: 93]. وحين يحرم نبي الله يعقوب - إسرائيل - طعاما ما، فهو حر فقد يحرم على نفسه طعاما كنذر، أو كوسيلة علاج أو زهادة، لكن الله لم يحرم عليه شيئا، وما تحتجون به أيها اليهود إنما هو خصوصية لسيدنا يعقوب ﴿ كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه ﴾ [آل عمران: 93] فلماذا تقولون: إن الإبل وألبانها كانت محرمة؟ لقد فعلوا ذلك لأنهم أرادوا أن يستروا على أنفسهم نقيصة لا يحبون أن يفضحوا بها، وتلك هي النقيصة التي كشفها القرآن بالقول الكريم:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٦٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٦٨٠