تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يأيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا..

[التوبة: 28]. وعندما ينزل هذا الحكم فلا بد أن تتحرك ملكات في النفس الإنسانية، والحق قد علم أزلا أن ملكة النفعية الاقتصادية عند أهل مكة ستتحرك عند سماع هذا الحكم، بمعنى أن بعضا من المسلمين المقيمين بمكة وقت نزول هذا الحكم قد يقولون: " وإذا كنا نمنع المشركين الذين يفدون علينا بالأموال ليشتروا بضائعنا وموسمهم الاقتصادي هو الذي يعولنا طيلة العام فماذا نصنع إذن؟ إن الله يعلم أنه عند نزول حكم بتحريم البيت على المشركين أن يقربوه فلا بد أن تتحرك في النفس الإنسانية تلك الملكية النفعية، فيقول - سبحانه - عقب ذلك مباشرة:

وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شآء إن الله عليم حكيم

[التوبة: 28]. الخوف من العيلة، أي الخوف من الفقر، وتلك هي عظمة الكلام الإلهي لأن ربا يتكلم إن الإنسان حينما يتكلم قد تفوته معان كثيرة، وبعد ذلك قد تحدث ضجة وبلبلة وثورة بين الناس، لكن الحق الأعلى عندما يقول:

إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا

[التوبة: 28] ويتبع ذلك فورا بقوله المطمئن:

وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله

[التوبة: 28] وقد فعل وجبى الحق وجلب إلى البيت الحرام ثمرات كل شيء، وكأنه يقول لنا: لا تعتقدوا أن هذه الثمرات قادمة عن طريق التطوع ولكنها رزق من لدنا، كما جاء في قوله الحق:

وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنآ أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون

[القصص: 57]. أي أنه ليست هناك حرية لأحد أن يعطي أهل البيت الحرام أو لا يعطي، إنها جباية، لطمأنة الملكية النفعية في النفس، وهو سبحانه يعطي الأمان الاقتصادي الذي يترتب عليه قوام الحياة، وعندما نمعن النظر في آيات القرآن نجد أن هناك آية قد تتقدم وآية قد تتأخر، وآية قد تأتي في الوسط، ونجد أن الآية الوسطى، مرتبطة بتداعي المعاني بالآية التي قبلها، ومرتبطة بتداعي المعاني بالآية التي بعدها، وذلك لترتوي وتتغذى كل ملكات الإنسان فلا يأتي أمر يوحي بأن هناك ما ينقص النفس البشرية، لنتأمل مثالا لذلك وهو قوله الحق:

ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير

[المجادلة: 8]. إن المشركين لم يقولوا لأحد: " إنما قالوا لأنفسهم " ، ويكشفهم الحق سبحانه العليم في أخفى خباياهم، ويظهر ما في أنفسهم، وهو العليم بكل خفايا عباده والكاشف لكل الملكات النفسية في خلقه. وحين يقول الحق سبحانه: ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم ﴾ [آل عمران: 92]. فإن الآية تحريض على الإنفاق، وجاءت بعد آية تفيد أن هناك إنفاقا لا يقبله الله في قوله سبحانه:

إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين

[آل عمران: 91]. إذن فهناك لون من النفقة يرفضه الله، وتداعى المعاني في النفس الإنسانية قد يجعل الإنسان يسأل " ما هي إذن النفقة المقبولة؟ " لذلك كان لا بد وأن يأتي قوله تعالى: ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ﴾ [آل عمران: 92] فإذا كانت هناك نفقة مردودة فهناك أيضا نفقة مقبولة، وهكذا نرى الآية التي تحرض على الإنفاق منسجمة مع ما قبلها. ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ﴾ [آل عمران: 92]، قد يسأل سائل، ولماذا لا ينال الإنسان البر إلا بعد ان ينفق مما يحب؟ وله أن يعرف أن طبيعة النفس الإنسانية هي " الشح " ولهذا جاء في القرآن الكريم:

فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٦٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٦٧٨