إذن ولنأخذ " طوعا " لغير الإنسان، وللمؤمن الذين نفذ تعاليم المنهج، ولنأخذ " كرها " في المسائل التي لا دخل لاختيار الإنسان فيها وتقع عليه وهو يكرهها، ولا يستطيع دفعها، لأن الذي يجريها عليه هو الخالق الفعال لما يريد، وما دامت هناك زاوية من حياتك أيها الإنسان أنت مكره فيها فلماذا تمردت في المسألة الاختيارية؟ كان يجب أن يأخذ الكافر هذه النقطة ويقول للكفر: " لا " ، ويتجه إلى الإيمان لأن المؤمن يأخذ هذه النقطة ويقول: أنا أريد أن أنسجم مع الكون كله حتى لا تطغى ملكة على ملكة، ولا تطغى إرادة على إرادة أخرى، وهذه رحمة من الله بالخلق. وحين يسلم الإنسان منهجه لله فإنه يفعل ما يطلبه المنهج ولا يفعل ما يحرمه المنهج ومن يريد أن يقف في " افعل " و " لا تفعل " ، ونقول له: إذا فعلت ما الذي يستفيده الله منك؟ وإذا لم تفعل ما الذي يضر الله منك؟ لا شيء، إن عليك أن تفكر جيدا فالأمر إنما يرد أو يتمرد عليه إن كان للآمر فيه مصلحة، وحيث إنه لا مصلحة للحق سبحانه وتعالى في مراداته من الخلق إلا إصلاح الخلق ذاته، إذن فمنهج الحق هو لمصلحة الإنسان، وأول ما يصاب به من يقف في منهج الله أنه يصبح ضد نفسه، ولا ينسجم مع الكون، فإن كان هناك من يريد ألا يسلم، فليجرب نفسه بألا يسلم في المقهورات التي هو مقهور عليها، وهذا أمر مستحيل. ولنقرأ الموقف القرآني بدقة، لنرى أنه الحق بعد القسم وبعد العهد وبعد الإشهاد عليه، قال لنا: ﴿ أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون ﴾ [آل عمران: 83]. إن من يبغى غير دين الله ليس منطقيا مع نفسه أو مع الكون لأن الكون كله لله بما فيه ومن فيه من السماوات والأرض، وكذلك الإنسان الذي ارتضى منهج الله، وأيضا أسلم الكافر لله فيما ليس له فيه اختيار. " وأسلم " في هذا السياق القرآني الكريم تعني أنه خضع وسخر، وقهر على أن ينفذ، ولكن الحق سبحانه أورد عن السماء والأرض قال:
قالتآ أتينا طآئعين
[فصلت: 11]. إن المألوف أن ترضخ السماء والأرض لأمر الله، وعندما " قالتا أتينا طائعين " فقد كسبت السماء والأرض الإسلام لله، فإلى الله كل مرجع فالإنسان - مؤمنا كان أو كافرا - سيعود إلى الله حتما.
وكلمة " يرجعون " التي تأتي في تذييل الآية يمكننا أن نراها في مواقع أخرى من القرآن مرة تأتي مبنية للمجهول وننطقها " يرجعون " بمعنى أنهم مقهورون على الرجوع إلى الله، ونجدها في مواقع أخرى في القرآن كفعل مبني للفاعل فننطقها " يرجعون " ، أي أنهم يريدون الإسراع في العودة إلى الله، وفي هذه الآية نفهم أن الذين يبغون غير دين الله لا يرغبون أن يعودوا إلى الله لذلك يتم إرجاعهم بالقهر، فسبحانه وتعالى يقول:
يوم يدعون إلى نار جهنم دعا
[الطور: 13]. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿ قل آمنا بالله ومآ أنزل علينا ومآ أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط... ﴾.