تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا تجعلوا دعآء الرسول بينكم كدعآء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم

[النور: 63]. إن المطلوب هو التعظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لا أن نعطي له أشياء لا تكون إلا لله.

إن تعظيم المسلمين لرسول الله وتكريمهم له هو أن نجعل دعاءه مختلفا عن دعاء بعضنا بعضا. والحق في هذه الآية التي نحن في مجال الخواطر عنها وحولها يقول: ﴿ ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ﴾ [آل عمران: 79]. إن " لكن " هنا للاستدراك، مثلما قلنا من قبل: إن " بلى " تنقض القضية التي قبلها وتثبت بعدها قضية مخالفة لها. إن الحق يستدرك هنا لنفهم أنه ليس لأحد من البشر أن يقول: " كونوا عبادا لي " بعد أن أعطاه الله الكتاب والحكم والنبوة، والقضية التي يتم الاستدراك من أجلها وإثباتها هي: " كونوا ربانيين " وكلمة " رباني " ، وكلمة " رب " ، وكلمة " ربيون " ، وكلمة " ربان " ، وكل المادة المكونة من " الراء " و " الباء " تدل على التربية، والولاية، وتعهد المربي، وتدور حول هذا المعنى. أليس ربان السفينة هو الذي يقود السفينة. وكلمة " الرب " توضح المتولي للتربية، إذن فما معنى كلمة " رباني "؟ إنك إذا أردت أن تنسب إلى " رب " تقول: " ربي ". وإذا أردنا المبالغة في النسبة نضيف لها ألفا ونونا فنقول: " رباني " ولذلك نجد في التعبيرات المعاصرة من يريدون أن ينسبوا أمرا إلى العلم فيقولون: " علماني " وفي ذلك مبالغة في النسبة إلى العلم. والفرق بين " علمي " و " علماني " هو أن العلماني يزعم لنفسه أن كل أموره تمشي على العلم المادي، ونجد أن في " علماني " ألفا ونونا زائدين لتأكيد النسبة إلى العلم. وقد يقول قائل: ولماذا نؤكد الانتساب إلى الله بكلمة " رباني "؟ ونقول: لأن الكلمة مأخوذة من كلمة رب، وتؤدي إلى معان: منها أن كل ما عنده من حصيلة البلاغ لابد أن يكون صادرا ومنسوبا إلى الرب لأنه لم يأت بشيء من عنده، أي أنه يأخذ من الله ولا يأخذ من أحد آخر أبدا فهو رباني الأخذ. وتؤدي الكلمة إلى معنى آخر: إنه حين يقول ويتكلم فإنه يكون متصفا بخلق أنزله رب يربي الناس ليبلغوا الغاية المقصودة منهم، فهو عندما ينقل ما عنده للناس يكون مربيا، ويدبر الأمر للفلاح والصلاح. يقول الحق - سبحانه -: ﴿ بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ﴾ [آل عمران: 79] إن العلم هو تلقي النص المنهجي. والدراسة هي البحث الفكري في النص المنهجي. لذلك فنحن في الريف نقول: " ندرس القمح " أي أننا ندرس القمح بألة حادة كالنورج حتى تنفصل حبوب القمح عن " التبن " وتكون نتيجة الدراس هي استخلاص النافع.

. إذن ففيه فرق بين " تعلمون " أي تعلمون غيركم المنهج الصادر من الله وذلك خاضع لتلقي النص، وبين " ما كنتم تدرسون " أي تعملون أفكاركم في الفهم عن النص. إن الفهم عن النص يحتاج إلى مدارسة، ومعنى المدارسة هو أخذ وعطاء، ويقال: " دارسه " أي أن واحدا قد قام بتبادل التدريس مع آخر، ويقال أيضا " تدارسنا " أي أنني قلت ما عندي وأنت قد قلت ما عندك حتى يمكن أن نستخلص ونستنبط الحكم الذي يوجد في النص. وقد يأتي النص محكما، وقد يأتي النص محتملا لأكثر من معنى. وما دمت قد تعلمت، فلابد أنك تعرفت على النصوص المحكمة للمنهج. وما دمت قد تدارست، فلا بد أنك قد فهمت من النصوص المحتملة حين مدارستك لأهل الذكر حسن استقبال المنهج لذلك يجب أن تكون ربانيا في الأمرين معا. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: ﴿ ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٦٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٦٥٦