إذا جآءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون
[المنافقون: 1]. لقد قال المنافقون: نشهد إنك لرسول الله، وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو رسول من عند الله بالفعل، والحق سبحانه يقول: " والله يعلم إنك لرسوله " فهل علمهم كعلم الله؟ لا، لأن الله سبحانه قال: " والله يشهد إن المنافقين لكاذبون " ، فكيف يصفهم الحق بأنهم كاذبون مع أنهم شهدوا بما شهد هو به؟ إن الحق لا يكذبهم في أن محمدا رسول الله فهذه قضية صادقة، ولكن سبحانه قد كذبهم في قضية قالوها وهي: " نشهد " ، لأن قولهم: " نشهد " تعني أن يوافق الكلام المنطوق ما يعتقدونه في قلوبهم، وقولهم: " نشهد " هو قول لا يتفق مع ما في قلوبهم، ولذلك صاروا كذابين، فلسان كل منهم لا يوافق ما في قلبه. إذن فقوله الحق: ﴿ ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون ﴾ [آل عمران: 78]، أي إنهم يقولون كلاما ليس له نسبة خارجية تطابقه، وهم يعلمون أنه كذب، حتى لا نقول: إنهم نطقوا بذلك غفلة، لقد تعمدوا الكذب، وهم يعرفون أنهم يقولون الكذب.
والدقة تقتضي أننا يجب أن نفرق بين صدق الخبر، وصدق المخبر. صدق الخبر هو أن يطابق الواقع لكن أحيانا يكون المخبر صادقا، والخبر في ذاته كذب، كأن يقول واحد: " إن فلانا يستذكر طول الليل " لأنه شاهد حجرة فلان مضاءة وأنه يفتح كتابا، بينما يكون هذا الفلان غارقا في قراءة رواية ما، إن المخبر الصادق في هذه الحالة، لكن الخبر كاذب. ولكن في مجال الآية نحن نجد أنهم كاذبون عن عمد، فاللسان هو وسيلة بيان ما في النفس:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما
جعل اللسان على الفؤاد دليلا
ومن بعد ذلك يقول الحق سبحانه: ﴿ ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة... ﴾.