والآخرة هي الوقت الذي لا يمكن التدارك فيه، فالآخرة هي يوم التقييم الصحيح والنهائي. إن الإنسان قد لا يكون له نصيب السلوك القويم فيعدل سلوكه حتى يكتسب هذا السلوك القويم في الدنيا لكن الإنسان لا يستطيع في الآخرة أن يجد مجالا للاستدراك، وهذه هي الخيبة القوية. فالإنسان في الدنيا، قد يقوم بعمل ما ولا يكون له نصيب من أجره أو قد لا نرى نحن الجزاء والنصيب الذي يعطيه له الله ولكن الله يعوضه في الآخرة عن هذا العمل الذي لم يكن له نصيب منه في الدنيا أما من لا خلاق له في الآخرة فكيف يتم التعويض؟ إن ذلك أمر مستحيل؟ ويضيف الحق ﴿ ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ﴾ [آل عمران: 77] وقد يقول قائل: ألم يقل القرآن الكريم في موقع آخر، إن الله يقول للكافرين:
قال اخسئوا فيها ولا تكلمون
[المؤمنون: 108]. فلماذا يقول الحق لهم مرة: " اخسئوا فيها ولا تكلمون " ، ومرة أخرى يقول الحق: " لا يكلمهم الله "؟. ونجيب على مثل هذا القول: إن الحق لا يكلمهم كلاما ينفعهم، أو أنه سبحانه يكلمهم بواسطة ملائكته، ولكن كيف لا ينظر إليهم الله؟ وساعة نجد أمرا يوجد في الناس وله نظير منسوب لله سبحانه وتعالى ويقوله سبحانه عن نفسه، فلا بد أن نأخذ هذا الأمر في إطار: " ليس كمثله شيء ". إننا في مجالنا البشري نقول: " فلان لا ينظر إلى فلان " أي أنه لا يوجه عيونه إليه، ويحول حدقتيه عنه، لكن لا يمكن قياس ذلك على الله، لأن الله منزه عن التشبيه ففي الوضع البشري نجد إنسانا يحب صديقا له فيقبل عليه بالوجه والنظر فيقال: " فتى هو قيد العين " أي أنه شاب عندما تنظر إليه العين فهو يقيد العين فلا تذهب عنه إلى مكان آخر ففي هذا الشاب محاسن تجعل العين لا تذهب بعيدا عنه. وهكذا نأخذ إقبال العين بالنظر على المنظور أو على المرئي كسمة للاهتمام به، وهذا صحيح في الوضع البشري. لكن إذا ما جاء ذلك بالنسبة لله، هنا نأخذ المسألة في إطار: " ليس كمثله شيء ". وهكذا نفهم عدم نظر الله إلى ﴿ الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا ﴾ [آل عمران: 77] بأن الله يهملهم، ولا يهتم بهم " لا ينالهم الله برحمته " ، فالحق سبحانه منزه عن كل تشبيه، وهكذا الأمر في عدم نظر الحق إليهم، نأخذ الأمر أيضا في إطار: " ليس كمثله شيء " إن ولي الأمر من البشر عندما يرغب في عقاب أحد رعاياه، لا ينظر إليه ويهمله، فما بالنا بإهمال الحق سبحانه وتعالى؟! إنه إبعاد لهم عن رحمة الله ورضوانه.
ويضيف الحق سبحانه ﴿ ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ﴾ [آل عمران: 77] والتزكية تأتي بمعنى التطهير، أو بمعنى الثناء أو النماء والزيادة فنقول: " فلان زكى فلانا " أي أثنى عليه ويقال أيضا: " فلان زكى فلانا " أي طهره، ومن هذا تكون " الزكاة " التي هي تطهير ونماء. وعندما يخبرنا الحق سبحانه أنه لا يكلم ذلك الصنف من البشر ولا ينظر إليهم ولا يطهرهم من أوزارهم، فهذا مقدمة لما أعده لهم بقوله: ﴿ ولهم عذاب أليم ﴾ [آل عمران: 77] فلابد أن نأخذ قوة الحدث بفاعل الحدث. وفي حياتنا العادية عندما يقال: " صفع الطفل فلانا الرجل " نفهم بطبيعة الحال أن صفعة الطفل تختلف في قوتها عن صفعة الشاب، وكذلك صفعة الشاب تختلف عن صفعة بطل في الملاكمة. إذن فالحدث يختلف باختلاف فاعله قوة وضعفا على المفعول به الذي هو مناط الحدث، فإذا كان فاعل العذاب هو الله فلابد أن يكون عذابا أليما ولا حدود لألمه، أنجانا الله وإياكم منه. ومن بعد ذلك يقول الحق سبحانه: ﴿ وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب... ﴾.