وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين
[آل عمران: 144]. إن الموت والقتل يؤدي كل منهما إلى انتهاء الحياة، لكن القتل ينهي الحياة بنقض البنية، ولذلك يقدر بعض البشر على البشر فيقتلون بعضهم بعضا. لكن لا أحد يستطيع أن يقول: " أنا أريد أن يموت فلان " ، فالموت هو ما يجريه الله على عباده من سلب للحياة بنزع الروح. إن البشر يقدرون على البينة بالقتل، والبينة ليست هي التي تنزع الروح، ولكن الروح تحل في المادة فتحيا، وعندما ينزعها الله من المادة تموت وترم أي تصير رمة. إذن، فالقتل إنما هو إخلال بالمواصفات الخاصة التي أرادها الله لوجود الروح في المادة، كسلامة المخ أو القلب.
فإذا اختل شيء من هذه المواصفات الخاصة الأساسية فالروح تقول: " أنا لا أسكن هنا ". إن الروح إذا ما انتزعت، فلأنها لا تريد أن تنتزع.. لأي سبب ولكن البنية لا تصلح لسكنها. ونضرب المثل ولله المثل الأعلى: إن الكهرباء التي في المنزل يتم تركيبها، وتعرف وجود الكهرباء بالمصباح الذي يصدر منه الضوء. إن المصباح لم يأت بالنور، لأن النور لا يظهر إلا في بنية بهذه المواصفات بدليل أن المصباح عندما ينكسر تظل الكهرباء موجودة، ولكن الضوء يذهب. وكذلك الروح بالنسبة للجسد. إن الروح لا توجد إلا في جسد له مواصفات خاصة. وأهم هذه المواصفات الخاصة أن تكون خلايا البنية مناسبة، فإن توقف القلب، فمن الممكن تدليكه قبل مرور سبع ثوان على التوقف، لكن إن فسدت خلايا المخ، فكل شيء ينتهي لأن المواصفات اختلت. إذن، فالروح لا تحل إلا في بنية لها مواصفات خاصة، والقتل وسيلة أساسية لهدم البنية وإذهاب الحياة، لكن الموت هو إزهاق الحياة بغير هدم البنية، ولا يقدر على ذلك إلا الله سبحانه وتعالى. ولكن خلق الله يقدرون على البينة، لأنها مادة ولذلك يستطيعون تخريبها. إذن، " فمتوفيك " تعني مرة تمام الشيء، " كاستيفاء المال " وتعني مرة " النوم ". وحين يقول الحق: " إني متوفيك " ماذا يعني ذلك؟ إنه سبحانه يريد أن يقول: أريدك تاما، أي أن خلقي لا يقدرون على هدم بنيتك، إني طالبك إلي تاما، لأنك في الأرض عرضة لأغيار البشر من البشر، لكني سآتي بك في مكان تكون خالصا لي وحدي، لقد أخذتك من البشر تاما، ومعنى " تاما " ، أي أن الروح في جسدك بكل مواصفاته، فالذين يقدرون عليه من هدم المادة لن يتمكنوا منه. إذن، فقول الحق: " ورافعك إلي " هذا القول الحكيم يأتي مستقيما مع قول الحق: " متوفيك ". وقد يقول قائل: إني رافعك إلي ثم أتوفاك بعد ذلك. ونقول أيضا: من الذي قال: إن " الواو " تقتضي الترتيب في الحدث؟ ألم يقل الحق سبحانه:
فكيف كان عذابي ونذر
[القمر: 16]. هل جاء العذاب قبل النذر أو بعدها؟ إن العذاب إنما يكون من بعد النذر. إن " الواو " تفيد الجمع للحدثين فقط. ألم يقل الله في كتابه أيضا:
وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا
[الأحزاب: 7]. إن " الواو " لا تقتضي ترتيب الأحداث، فعلى فرض أنك قد أخذت " متوفيك " أي " مميتك " ، فمن الذي قال: إن " الواو " تقتضي الترتيب في الحدث؟ بمعنى أن الحق يتوفى عيسى ثم يرفعه. فإذا قال قائل: ولماذا جاءت " متوفيك " أولا؟ نرد على ذلك: لأن البعض قد يظن أن الرفع تبرئة من الموت.
ولكن عيسى سيموت قطعا، فالموت ضربة لازب. ومسألة يمر بها كل البشر. هذا الكلام من ناحية النص القرآني. فإذا ما ذهبنا إلى الحديث وجدنا أن الله فوض رسوله صلى الله عليه وسلم ليشرح ويبين، ألم يقل الحق:
وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون