كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله..
[آل عمران: 110]. إن هذا توجيه لنا من الحق لنعرف أن المصافي الاجتماعية ستظل موجودة في أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، إذن فبعد حدوث الغفلة من بعد نوح عليه السلام جاء الله باصطفاءات أخرى رحمة منه بالعالمين، ويقول الحق: ﴿ إن الله اصطفى ءادم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ﴾ [آل عمران: 33]. ونحن نقول على إبراهيم عليه السلام: " أبو الأنبياء " وأورد الحق نبأ بعض من أبناء آل إبراهيم، وهم آل عمران وأعطاهم ميزة. وكلمة " عمران " هذه حين ترد في الإسلام فلنا أن نعرف أن هناك اثنين لهما الاسم نفسه، هناك " عمران " والد موسى وهارون عليهما السلام.
وهناك " عمران " آخر. إن عمران والد موسى وهارون كان اسم أبيه " يصهر " وجده اسمه " فاهاث " ومن بعده " لاوى " ومن بعده " يعقوب " ، ومن بعده " إسحاق " ، وبعده " إبراهيم " ، أما عمران الآخر، فهو والد مريم عليها السلام. وقد حدث إشكال عند عدد من الدارسين هو " أي العمرانين يقصده الله هنا؟ " والذي زاد من حيرة هؤلاء العلماء هو وجود أخت لموسى وهارون عليهما السلام اسمها مريم، وكانت ابنة عمران والد موسى وهارون فكلتاهما اسمها مريم بنت عمران. وكانوا في ذلك الزمن يتفاءلون باسم " مريم " لأن معناه " العابدة " ، ولما اختلفوا لم يفطنوا إلى أن القرآن قد أبان وأوضح المعنى، وكان يجب أن يفهموا أن المقصود هنا ليس عمران والد موسى وهارون عليهما السلام، بل عمران والد مريم، ومنها عيسى عليه السلام، وعمران والد مريم هو ابن ماثان، وهو من نسل سليمان، وسليمان من داود، وداود من أوشى، وأوشى من يهوذا، ويهوذا من يعقوب، ويعقوب من إسحاق. وكنا قديما أيام طلب العلم نضع لها ضبطا بالحرف، فنقول " عمعم سدئيا " ومعناها.. عيسى ابن مريم، ومريم بنت عمران، وعمران ابن ماثان، وماثان من سليمان، من داود من أوشى وأوشى من يهوذا ويهوذا من يعقوب ويعقوب من إسحاق. لقد التبس الأمر على الكثير فقالوا: أي العمرانين الذي يقول الله في حقه هذا القول الكريم؟ ولهؤلاء نقول: إن مجيء اسم مريم عليها السلام من بعد ذلك يعني أنه عمران والد مريم، وأيضا يجب أن نفطن إلى أن الحق قد قال عن مريم:
فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يمريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشآء بغير حساب
[آل عمران: 37]. وزكريا عليه السلام هو ابن آذن، وآذن كان معاصرا لماثان. إن المراد هنا هو عمران والد مريم. هكذا حددنا أي العمرانين يقصد الحق بقوله: ﴿ إن الله اصطفى ءادم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ﴾ [آل عمران: 33]. وعندما تقول: اصطفيت كذا على كذا، فمعنى ذلك أنه كان من الممكن أن تصطفى واحدا من مجموعة على الآخرين، ولذلك نفهم المقصود ب " على العالمين " أي على عالمي زمانهم، إنهم قوم موجودون وقد اصطفى منهم واحدا، أما الذي سيولد من بعد ذلك فلا اصطفاء عليه، فلا اصطفاء على محمد صلى الله عليه وسلم. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ ذرية بعضها من بعض... ﴾.