تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون

[الذاريات: 59]. أي ذنوبا تتبع، وتتلو جريمتهم. إذن فالنص القرآني في أي ذنب وفي أي عقاب يؤكد لنا القضية القانونية الإصطلاحية الموجودة في كل الدنيا: إنه لا عقوبة دون تجريم. فكان العقاب بعد الجريمة أي بعد الذنب، والذنب بعد النص، فلا نأتي لواحد بدون نص سابق ونقول له: أنت ارتكبت ذنبا. وهذه تحل إشكالات كثيرة، مثال ذلك:

إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما

[النساء: 48]. إن الله يغفر ما دون الشرك بالله، فالشرك بالله قمة الخيانة العظمى وهذا لا غفران فيه وبعد ذلك يغفر لمن يشاء.

ويقول الحق في آية أخرى:

قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم

[الزمر: 53]. فهناك بعض من الناس يقولون: إن الله قال: إنه لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، حتى إنهم قالوا: إن ابن عباس ساعة جاءت هذه الآية التي قال فيها الحق: " إن الله يغفر الذنوب جميعا " قال: " إلا الشرك " وذلك حتى لا تصطدم هذه الآية من الآية الاخرى. والواقع أنه حين يدقق أولو الألباب فلن نجد اصطداما، لأن الذين أسرفوا على أنفسهم. هم من عباد الله الذين آمنوا ولم يشركوا بربهم أحدا، ولكنهم زلوا وغووا ووقعوا في المعاصي فهؤلاء يقال عنهم: إنهم مذنبون لأنهم مؤمنون بالله معترفون بالذي أنزله، أما المشرك فلم يعترف بالله ولا بما شرع وقنن من أحكام، فما هو عليه لا يسمى ذنبا وإنما هو كفر وشرك. فلا تعارض ولا تصادم في آيات الرحمن. وعندما يقول الحق: ﴿ كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب ﴾ [آل عمران: 11]. فهذا القول الحكيم متوازن ومتسق، فالذنب يأتي بعد النص، والعقاب من بعد ذلك. ويقول الحق آمرا رسوله ببلاغ الكافرين: ﴿ قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٣٣