تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" روي عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم أن إبراهيم حين قيدوه ليلقوه في النار قال: لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين، لك الحمد ولك الملك لا شريك لك. قال: ثم رموا به في المنجنيق من مضرب شاسع فاستقبله جبريل فقال: يا إبراهيم ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا. فقال جبريل فاسأل ربك. فقال: حسبي من سؤالي علمه بحالي. فقال الله: يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم "

وفي هذا غيظ ودحض لمكر الذين مكروا بإبراهيم. إذن يعطينا الحق في القصص القرآني المثل لنجمع من حياة كل رسول العبر ونستفيد منها، لنكون بحق خير أمة أخرجت للناس لأننا أخذنا تجارب كل رسول وجعلناها منهجا لنا في حياتنا. وقد ابتلى الحق إبراهيم في أول حياته في نفسه، وابتلاه في أخريات حياته في ابنه، ونجح إبراهيم في الابتلاء الأول حين كانت حياته أهم بالنسبة إليه من كل شيء، وحين يتقدم في السن، فمن المفروض أن تكون كل حياته لمن بعده من الأبناء فيبتليه الله في ابنه.

لم يقل له: إن ابنك سيموت وعليك بالصبر. ولم يقل له: إن واحدا سيقتل ابنك وعليك بالصبر بل يأمره بذبح ابنه، تلك قمة الابتلاء. لأنه لم يأت بوحي مباشر كالنفث في القلب أو الكلام من وراء حجاب أو يرسل له الله ملكا يبلغه ما يريد، بل برؤيا منامية: ﴿ قال يبني إني أرى في المنام أني أذبحك ﴾. ويقول إبراهيم لابنه المسألة كما رآها في المنام. والرؤيا عند الأنبياء حق. وقد يقول قائل: ولماذا لم يرد إسماعيل على أبيه بأن هذه المسألة هي مجرد رؤيا؟ ولماذا لم يأخذ إبراهيم ولده على غرة دون أن يقول له؟. ونقول: إن إبراهيم من فرط وشدة حنانه وحبه لابنه آثر أن ينال الابن الثواب العظيم والجزاء الجليل بأن يقتل ويقدم حياته امتثالا لأمر الله، فقال إبراهيم:

يبني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى

[الصافات: 102] وها هوذا قول إسماعيل:

قال يأبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شآء الله من الصابرين

[الصافات: 102] ولم يقل إسماعيل لأبيه: " افعل الذبح " ولكنه قال: ﴿ افعل ما تؤمر ﴾ أي أن إسماعيل لم يأخذ الكلام على أنه كلام من أبيه، بل أخذه كأمر من الله. ولو أخذه أبوه على غرة قد يتحرك قلب الابن غيظا على أبيه وحقدا عليه فيعتدي على الأب، وهنا نجد حنان الأب على الابن جعله يخبره بالأمر الآتي من السماء والشأن في حنان الأب على الابن أن ييسر له كل أمور حياته. أما حنان الحنان فهو تيسير كل خير بعد مماته لذلك لم يشأ إبراهيم أن يحرم إسماعيل من الامتثال لأمر الله فينال الاثنان معا شرف الامتثال لله. وأعطاه كل الحنان في الزمان الأبقى والزمان الأخلد في الدار الآخرة حتى نعلم أن الحق سبحانه وتعالى لا يريد منا إلا الامتثال لقضائه وقدره، ويقول الحق:

فلما أسلما وتله للجبين

[الصافات: 103] هذا شرف الامتثال في التسليم لله.. ففي البداية أسلم إبراهيم أمره لله، وعندما عرض الأمر على ابنه سلم الابن أمره لله، فنال الاثنان منزلة الشرف في التسليم لأمر الله. ونجح الاثنان في الاختبار، فقال الحق:

وناديناه أن يإبراهيم * قد صدقت الرؤيآ إنا كذلك نجزي المحسنين

[الصافات: 104-105] لقد أنقذ الحق إبراهيم وابنه من مسألة الذبح، ولهذا نقول دائما: لا يرفع قضاء من الله على خلقه إلا أن يستسلم الخلق للقضاء، والذين يطيلون أمد القضاء على نفوسهم هم الذين لا يرضون به. وأتحدى أي إنسان أن يكون الله قد أجرى عليه قضاء مرض فيرضى به ويعتبر أن ذلك صحة اليقين، ولا يرفع الله عنه المرض. فالإنسان بالصحة يكون مع نعمة الله، ولكنه بالمرض يكون مع الله.

فقد حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: يا بن آدم مرضت فلم تعدني. قال: يارب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده!! أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ "

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٢٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٢٢٥