تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من إذن يجرؤ على الزهد في معية الله؟ وعندما يعرف المريض أنه في مرضه الذي يتأوه منه هو في معية الله لاستحى أن يقول: " آه " ، ولكننا لا نطلب من المريض ألا يقول " آه " ، ولكن نطلب منه أن يتوجه إلى الله ويقول: " ولكن عافيتك أوسع لي ". وقول الحق: ﴿ فلما أسلما وتله للجبين ﴾ هذا القول يدلنا على أن القضاء لا يرفع إلا بالرضا به، فإن رأينا واحدا قد استمر معه القضاء فلنعلم أنه لم تحن ولن تأت عليه لحظة لرضي فيها بالقضاء. ولم يرفع الله القضاء فقط عن إبراهيم، ولم يفد إسماعيل فقط بذبح عظيم، بل بشر الله إبراهيم بولد آخر هو إسحاق:

وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين

[الصافات: 112] وها هي ذي لقطة أخرى نأخذها من القصص القرآني مع سيدنا موسى لنتبين ماذا يصنع المنهج الإيماني فيمن اقتنع به، وحدثت هذه القصة في وقت تهيئة سيدنا موسى للرسالة، حدثت هذه الواقعة وهو ذاهب إلى شعيب، ولم يكن رسولا بعد، مما يدل على أن فطرية الإيمان كانت موجودة عنده، وأن الله قد صنعه على عينه، لقد ورد ماء مدين ووجد الفتاتين تذودان وتطردان الماشية عن الماء، فماذا دار بينه وبينهما من حوار؟. وكيف كانت رؤيته لهما أولا:

ولما ورد مآء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعآء وأبونا شيخ كبير

[القصص: 23] وفي قول المرأتين: ﴿ لا نسقي حتى يصدر الرعآء وأبونا شيخ كبير ﴾ قدر من المبادئ فخروجهما من البيت سببه أن الأب شيخ كبير، ومع أنهما في ضرورة وخرجتا للعمل فلم تنس واحدة منهما أنها أنثى يجب أن تحترم أنوثتها فقالتا: ﴿ لا نسقي حتى يصدر الرعآء ﴾ أي أنهما ستسقيان من بعد أن يذهب الزحام من الرجال حول البئر. إذن فقد أخذت بنتا شعيب الضرورة في حجمها ولم تتخذ إحداهما من الضرورة حجة لإهدار الأنوثة والتزاحم للوصول إلى البئر. فماذا حدث من موسى؟. ﴿ فسقى لهما ﴾. تلك الهمة الإيمانية التي وجدت في موسى قبل أن يصير رسولا، وذلك ما يوضحه لنا الحق حتى لا يقول إنسان: كيف أكون مثل رسول من عند الله؟. كأن الهمة الإيمانية التي وصفتها تلك اللقطة القصصية توقظ مسئولية كل مؤمن ليسلك مثل هذه السلوك.

فعندما يرى امرأة قد خرجت عن محيط بيتها لأي عمل، فعليه أن يقضي لها حاجتها حتى ترجع إلى بيتها وذلك دون أن يتخذ من ذلك ذريعة ووسيلة إلى أمر ينزل بهمته وينال من مروءته. ولو انتشرت بيننا تلك الهمة الإيمانية لما وجدنا امرأة في الطريق إلا للضرورة. لقد أوضحت لنا تلك اللقطة القصصية حرص المرأة على موضعها وموقعها من الستر، فتقول واحدة من المرأتين لأبيها شعيب بعد أن استقدمه ليجزيه أجر ما سقى لهما:

يأبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين

[القصص: 26] كأن المرأة لا يحل لها أن تتحرك في الكون هذا اللون من الحركة الواسعة، ويسمع شعيب وهو الرجل العاقل لابنته فكيف يستأجر رجلا وعنده ابنتان، فيفكر شعيب ويعثر على الحل الصحيح بفطنة إيمانية، فيستدعي موسى ويقول له:

قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج

[القصص: 27] وفي مثل هذه الحالة سيكون موسى متزوجا بواحدة ومحرما على الأخرى. وهذه اللقطات القصصية نلتفت إليها لنتعلم منها الفطنة الإيمانية. وها نحن أولاء مع موسى وقد ناداه الحق ليجعله رسولا، ولنر صفاء النفس الإيمانية وهي تتلقى مهمة الرسالة إن موسى يرغب في أن يكون أداؤه للرسالة كاملا لذلك يطلب من الحق أن يرسل معه أخاه هارون:

وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون

[القصص: 34] هو يرشح معه هارون للرسالة لأنه حريص على النجاح في دعوته لأن لسانه ثقيل لرتة ولثغة وتردد في النطق من أثر الجمرة التي أصاب بها لسانه وهو صغير، والرسالة تحتاج إلى بيان وبلاغة فيطلب مساعدة أخيه ولم يستنكف ذلك. فما بالنا بما هو حادث وحاصل في أيامنا، حين يختار الحاكم رئيسا للوزراء فلا يطلب معاونة الأكفاء، بل قد يخشى أن يكون له نائب له كفاية عالية فوق كفاءته. واللقطات القصصية في القرآن تعلمنا الكثير، وأراد الحق أن يثبت بها للأمة المحمدية دقة المنهج الإيماني، فمادام قد أرسل لنا منهجا لنعلمه، فهو يطلب منا أن نطبق هذا المنهج ونوظفه في حياتنا. وليس ذلك بدعا، بل هو موجود في قصص الرسل الذين علموا المنهج فطبقوه في ذواتهم أولا لأن الآفة أن نعلم العلم ولا نطبقه. وفي زماننا يقال ويشاع: إن التعليم الديني في المدارس لا يأتي بثمار طيبة في سلوك الطلاب. ونقول لمن يرددون ذلك: أنتم لا تفهمون طبيعة التعليم الديني فتعليم الدين لا يمكن أن يتساوى مع تعليم الجغرافيا أو الهندسة وغيرهما من العلوم لأننا عندما نعلم طالبا الهندسة فهو يستطيع أن يكون عالما متفوقا فيها ويأخذ المعطيات والنظريات ويتفوق في المجال الهندسي، ولكن لم تطلب منه أية نظرية هندسية أن يعدل سلوكه في الحياة بأن ترشده في السلوك اليومي: افعل كذا ولا تفعل كذا.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٢٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٢٢٦