[هود: 38-40] قوله الحق ﴿ إلا من سبق عليه القول ﴾ كان يجب ألا تمر على فطنة نوح ذلك لأنها تتضمن أن هناك أناسا من أهله لن يؤمنوا، فيقول لابنه:
ونادى نوح ابنه وكان في معزل يبني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين
[هود: 42] وكان الرد:
قال سآوي إلى جبل يعصمني من المآء
[هود: 43] فقال نوح:
قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم
[هود: 43] وبعد أن غرق ابن نوح وابتلعت الأرض ماءها، نادى نوح ربه فقال:
رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين
[هود: 45] نحن - إذن - أمام لقطة قصصية في قصة نوح. يلفتنا بها الحق إلى مسألة بنوة الرسالات، فالبنوة هنا منهجية. ومن يتبع النبي هو الذي يكون من نسبه. ومن لا يتبع النبي فليس من نسبة، لذلك قال الحق: ﴿ قال ينوح إنه ليس من أهلك ﴾. فأهل النبوة هم الذين اتبعوا منهج النبي. ويشرحها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال عن سلمان الفارسي:
" سلمان منا أهل البيت "
ولم يقل: إن سلمان عربي، أو إنه من المسلمين، لكنه قال: إنه من أهل البيت. وقد أوضح الحق ذلك في قصة ابن نوح: ﴿ إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح ﴾. وخاض في معنى ﴿ ليس من أهلك ﴾ بعض الخائضين باللغو وقالوا: إن أم ابن نوح قد فعلت السوء، ولهؤلاء نقول: استغفروا ربكم وانظروا إلى حيثية الحكم:
إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسئلن ما ليس لك به علم
[هود: 46] إذن فنسبة الأبناء للآباء من الأنبياء نسبة عمل لا نسبة دم ولا نسبة عن زواج أو إنجاب، أما الذين قالوا السوء في امرأة نوح فعليهم أن يستغفروا الله، فالحق سبحانه منزه عن التدليس على رسوله. وهب أن أم الولد قد فعلت ذلك - معاذ الله - فما ذنب الولد تصير أمه إلى هذا؟ لا دخل للولد بذلك، لكن قول الله: ﴿ إنه عمل غير صالح ﴾ يدل على أن ثبوت النبوة الإيمانية يكون بالعمل فقط. ولننظر إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهله وعشيرته.. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال:
" لما نزلت وأنذر عشيرتك الأقربين، جعل النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بطون قريش بطنا بطنا: يا بني فلان أنقذوا أنفسكم من النار حتى انتهى إلى فاطمة فقال: يا فاطمة ابنة محمد انقذي نفسك من النار لا أملك لكم من الله شيئا غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها "
ويضرب الله المثل في الزوجات فيقول:
ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين
[التحريم: 10] وليس المقصود بالخيانة هنا الخيانة الجنسية لكن لنستدل على أن الرسول وإن كان رسولا ليس له من القدرة على أن يقهر زوجه وامرأته على عقيدة فهي تملك حرية الاعتقاد فلا ولاية هنا للرجل على المرأة في العقيدة حتى إن ادعى الألوهية كفرعون مثلا يقول الحق عن امرأته:
وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأت فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين
[التحريم: 11] هذه اللقطات تدلنا على أن قضية الإيمان لا ينفع فيها النسب أو الزواج. فالابن هو العمل الصالح، والحيثية في ذلك قول الحق عن ابن نوح: ﴿ إنه عمل غير صالح ﴾ فلم يذكر ذات الابن ولكنه ذكر العمل. ولكل نبي قصة يذكرها الحق ليتضح المنهج في أذهان الناس. ويأتي الله بالمثل في المصطفين الأخيار الذين اصطفاهم الله لهداية الناس مثل قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام. الذي يبتليه - سبحانه - في أول حياته بالإحراق في النار. كان إبراهيم شابا يمتلئ بالأمل في الحياة، فماذا كان من إبراهيم؟ أراد الحق نجاة إبراهيم من النار. وتركهم يتمكنون منه ويضعونه في قلب النار. ولم تمطر السماء لتطفئ النار، وكل ذلك لتكون حجة الحق واضحة، وحتى يكون كيد الله كاملا لهؤلاء الكافرين. إن إبراهيم عليه السلام لم يهرب منهم، ولم تمطر السماء، بل ظلت النار نارا ويعطل سبحانه ناموس النار حين دخول إبراهيم إليها.