نحن نقص عليك أحسن القصص بمآ أوحينآ إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين
[يوسف: 3] وسبحانه قد قص على الرسول صلى الله عليه وسلم في القرآن أحسن القصص لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيعالج أجناس العالم التي توزعت على جميع الرسل من إخوانه، ومادام عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم سيكون مع كل الأجناس البشرية الذين تفرقوا من قبل على الرسل من إخوانه، فلا بد أن يوضح سبحانه للرسول صلى الله عليه وسلم ولأمته من بعده: أنه حدث مع الرسول فلان كذا، وكان مبعوثا إلى قوم كان موقفهم منه كذا، وكانت داءات ذلك المجتمع هي كذا وكذا. ومحمد صلى الله عليه وسلم - كما نعلم - موكول إليه علاج كل أجناس البشر وكذلك أمته من بعده، ولابد أن يعرفوا أخبار كل المجتمعات والرسل: نحن نقص عليك أحسن القصص بمآ أوحينآ إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين }. إذن فكلمة " قصص " تدل على أنها حكايات لحركة العقيدة التي كانت مع كل الرسل.
والتاريخ - كما نعلم - هو ربط الأحداث بأزمانها، فمرة نجعل الحدث هو المؤرخ له، ثم نأتي بأشخاص كثيرين يدورون حول الحدث. ومرة نجعل الشخص هو الأصل والأحداث تدور حوله، فإذا قلنا كلمة " سيرة " فنعني أننا جعلنا الشخص هو محور الكلام ثم تدور الأحداث حوله. وإن أرخنا للحدث، نجعل الحدث هو الأصل، والأشخاص تدور حوله. مثال ذلك: عندما نأتي لنتكلم عن حدث الهجرة نجعل هذا الحدث هو المحور، ونروي كيف هاجر رسول الله ومعه أبو بكر/ وكيف هاجر عمر بن الخطاب وغيره من الصحابة، وبذلك تكون الهجرة هي المحور وكيف دار الأشخاص حول هذا الحدث الجليل. ومثال آخر: عندما نروي سيرة من السير، مثل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، نجعل النبي صلى الله عليه وسلم محور الحديث والتاريخ، ونروي كيف دارت الأحداث في حياته. إذن فأخبار وقصص الرسل تكون هي المحور ونلتقط الأحداث التي مرت عليهم لأن الرسالات حين تأتي الناس بمنهج السماء تنقسم إلى قسمين: قسم نظري يريد الحق أن يعلمه لخلقه بواسطة الرسول، وهو القسم العلمي، فتلك قضايا يجب أن يعلموها. وقسم عملي لأن الحق يريد من خلقه أن يعلموا ويريد منهم - أيضا - بعد أن يعلموا أن يطوعوا حركة حياتهم على ضوء ما علموا. فليست المسألة رفاهية علم، ولكنها مسئولية تطبيق ما علموا في محور " افعل " و " لا تفعل ". ولو كانت المسألة أن يعلم الخلق فقط، لكان من الممكن أن نقول: ما أيسرها من رحلة. لقد وجدنا كفار قريش عندما طلب الرسول منهم أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، قاوموا ذلك. ولو كانوا يعلمون أنها مجرد كلمة تقال لقالوها. لكنهم عرفوا مطلوب الكلمة، وعرفوا أنه لن توجد سيادة ولا عبودية ولا أوامر لأحد غير الله، ومعنى ذلك المساواة المطلقة بين العباد. إذن فكل تكليف من السماء إنما نزل، والقصد من العلم به هو العمل به، أي توظيف العلم تطبيقا، فلا قيمة لعلم دون عمل. وعندما يبلغ الرسول القوم: هذا هو الحكم، ومطلوب من كل واحد منكم أن يطوع حركة حياته على ضوء هذا الحكم. وتجيء الأحكام دائما في طاقة البشر. وهناك أناس قد علموا وعملوا وهذه هي قصصهم، هذه قصة فلان وقصة فلان. فالقصص يعطينا الجانب العملي المطلوب للمنهج، ولذلك قص لنا الحق قصص الرسل في القرآن. ويبلغنا الحق بالنسب الإيماني، ويعلمنا النسب المعترف به عند الأنبياء، فيحكي قصة نوح عليه السلام، عندما أوحى إليه بضرورة أن يصنع السفينة، وسخر قومه منه، وبعد أن صنعها جاءه الأمر الإلهي بأن يحمل فيها من كل زوجين اثنين. ويقول الحق:
ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون * فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم * حتى إذا جآء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن ومآ آمن معه إلا قليل