تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد كان للوحي صلصلة كصلصلة الجرس. وكأن هذا الصوت إعلان أن زمن وساعة الوحي قد جاءت فاستعد لها يا رسول الله. وعندما تعب رسول الله صلى الله عليه وسلم في البداية، كان من رحمة الله به أن جعل الوحي يفتر عنه، فيشتاق صلى الله عليه وسلم للوحي بسبب حلاوة ما أوحي إليه، ويجعله هذا الشوق مستشرفا للمتاعب. وعندما فتر الوحي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال خصومه: رب محمد ودعه وجفاه. ولم يتذكروا أن لمحمد ربا إلا في هذه المسألة بعد أن اتهموه بالكذب ولم يمتلكوا الذكاء حتى يعبروا عن هذا الأمر بتعبير لا يتناقض مع موقفهم السابق منه. وحين رأى الحق الإجهاد الحاصل لرسوله جعل الوحي يفتر حتى تبقى حلاوة ما يوحى به ويذهب التعب ويشتاق رسول الله إلى ما يوحى إليه. إن الشوق وتلك المحبة يجعلان رسول الله لا يشعر بوطأة الألم المادي البشري، والإنسان منا حين يذهب إلى حبيب له يسير في الشوك والوحل ولا يبالي. إذن ففتور الوحي كان لتربية الشوق في نفسه صلى الله عليه وسلم ليستقبل الوحي، ولينتبه كل منا حين يقرأ قول الله سبحانه وتعالى:

وللآخرة خير لك من الأولى

[الضحى: 4] أي أن ما سيأتي لك من بعد ذلك سيسرك. ويقول الحق بعدها:

ألم نشرح لك صدرك * ووضعنا عنك وزرك * الذي أنقض ظهرك * ورفعنا لك ذكرك

[الشرح: 1-4] وحين عرض الحق هذه المسألة بهذه الكيفية أراد أن يبلغنا: لا تظنوا أن رب محمد - كما يقولون - قد جفاه، لا، بل يعده ليستقبل أكثر مما جاء من قبل، فسنن الكون أمامكم، لكن كفرهم أعمى أبصارهم وبصيرتهم، ويقول سبحانه:

والضحى * والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما قلى

[الضحى: 1-3] وسبحانه يقسم بما شاء على ما شاء. والضحى هو ضحوة النهار وهي محل الحركة والكدح والجهد والجد والتعب، والليل محل الراحة والسكون. كأن الحق يوضح: إنكم إن نظرتم في آية الكون لوجدتم أن الله قد جعل الضحى للكدح والليل لنسكن فيه وفتور الوحي هو سكون ليعاود محمد نشاطه في حركة الوحي الجديدة، هو الحق - سبحانه - يقسم:

والضحى * والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما قلى

[الضحى: 1-3] أمجيء الليل بعد النهار ضن من الله على الناس بالنهار؟ لا، إنما الليل عطاء من الله ليسكنوا وليستقبلوا النهار الجديد. وأنزل سبحانه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها حينما سأل اليهود النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم كتابا من السماء:

يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السمآء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة

[النساء: 153]. فيأمره الحق أن يوضح: أنا قد أوحى الله إلي كما أوحى إلى الرسل السابقين، فهل أنتم شككتم في وحي الله لموسى؟ أشككتم في وحي الله لمن سبق موسى؟ صحيح أنكم شككتم في مسألة عيسى، لكن لنضع الأمر الذي تكذبون فيه جانبا ولنأخذ ما أنتم مصدقون به، فيقول سبحانه: ﴿ إنآ أوحينآ إليك كمآ أوحينآ إلى نوح والنبيين من بعده ﴾. إذن فأنت يا محمد لست بدعا في هذه المسألة: ﴿ إنآ أوحينآ إليك كمآ أوحينآ إلى نوح والنبيين من بعده ﴾ ويمر العلماء على هذه المسألة مرورا سريعا، لكننا نقف عندها ونقول: قد يوحي هذا القول أن أول وحي كان لنوح. والحقيقة أن الوحي الأول كان لآدم من قبل، لكن هناك فارق بين الوحي لآدم والوحي للأنبياء من بعده. ومثال ذلك نوح، فنوح طرأ على أمته وكانت أمته موجودة ثم جاء هو إلى هذه الأمة مبشرا ونذيرا. أما آدم عليه السلام فقد طرأت عليه أمته لذلك لم يرسله الله بمعجزة، فهو أب للجميع. والأبناء يقلدون الآباء، بل حتى أبناء الملاحدة يقلدون آباءهم. وقد أوحى الله لآدم وقال له: ﴿ فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ وإرسال الهدى لآدم هو مجيء الوحي إليه. ولماذا جاء نوح في هذه الآية أولا؟ لأن نوحا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام قد طرأ على أمته لذلك احتاج إلى وحي وإلى معجزة. وأرسل الله نوحا إلى الناس كافة لعموم الموضوع، فلم يكن هناك من البشر غيرهم. لكن محمدا صلى الله عليه وسلم أرسله الله للناس كافة لأن الإسلام هو الدين الخاتم. وكان قوم محمد موجودين. وكذلك كان غيرهم موجودا. ﴿ إنآ أوحينآ إليك كمآ أوحينآ إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينآ إلى إبراهيم ﴾. لماذا قال الحق: ﴿ والنبيين من بعده ﴾ أي من بعد نوح؟، ولماذا قال: ﴿ وأوحينآ إلى إبراهيم ﴾ وذكر أسماء الأنبياء من بعد إبراهيم؟ يقول العلماء: هنا عطف خاص على عام لزيادة التنبيه على شرف هؤلاء، ﴿ وأوحينآ إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داوود زبورا ﴾ ، وكأن الحق يقول: حين يسألك اليهود - يا محمد - أن تنزل عليهم كتابا من السماء قل لهم: إن الله أوحى إلي كما أوحى إلى ألأنبياء السابقين فلست بدعا من الرسل. وحتى لو أنزل إليهم محمد كتابا في قرطاس ولمسوه بأيديهم لقالوا: هذا سحر مبين، كما قال:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٢٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٢٢٠