تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شآء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون

[الأنعام: 112] إذن الوحي هو إعلام بخفاء، وليس الأمر مقصورا على الحق سبحانه وتعالى، بل يصح أن يكون الوحي من الله، أو من الشياطين، أو من جنود الشياطين. وقد يكون الوحي إلى الجماد وإلى الحيوان وإلى الملائكة وإلى الإنسان. وعندما نحدد معنى الوحي فإننا نقول: الوحي في اللغة إعلام بخفاء من أي - سواء أكان من الله أم من الشياطين - ولأي ما - سواء للأرض أو للحيوان أو للإنسان - وفي أي - سواء في خير أو شر-. وكلمة " وحي " تصلح لأي معنى من هذه المعاني بحيث إذا أطلقت انصرفت إليه. ولكن هي بالمعنى الشرعي لا تطلق إلا على الإعلام بخفاء من الله لرسوله، ومثل ذلك حدث لمعنى الصلاة، فالصلاة معناها اللغوي الدعاء، وهناك الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والصلاة المكتوبة هي الأقوال والأفعال، وأخذ الشرع معنى الصلاة واصطلح على أن كلمة الصلاة حين يطلقها الفقيه تنصرف إلى الأقوال والأفعال المخصوصة المبتدأة بالتكبير والمختتمة بالتسليم. وفي هذا المعنى الشامل للصلاة نجد سيدنا عمر - رضي الله عنه - وقد دخل عليه حذيفة فسأله: كيف أصبحت؟. أجاب حذيفة: أصبحت أحب الفتنة وأكره الحق وأصلي بغير وضوء ولي في الأرض ما ليس لله في السماء. وغضب سيدنا عمر، ولولا دخول سيدنا علي بن أبي طالب لكان لسيدنا عمر شأن آخر مع حذيفة. وسأل علي عمر: ما يغضبك يا أمير المؤمنين؟. قال عمر: سألت حذيفة كيف أصبحت فقال كذا وكذا. فقال علي - كرم الله وجهه -: نعم يا أمير المؤمنين، أصبح يحب الفتنة، أي يحب ماله وولده، فالحق قال: ﴿ إنمآ أموالكم وأولادكم فتنة ﴾ ، وهو يكره الموت والموت حق ومن فينا يحبه يا أمير المؤمنين؟ وهو يصلي بغير وضوء على النبي صلى الله عليه وسلم، وله في الأرض زوجة وله ولد وهو ما ليس لله في السماء.

إذن فقد أخذ حذيفة الفتنة على معنى مخصوص، وكذلك الموت، والصلاة. وضربت هذاالمثل لأفرق بين المعاني الشرعية والمعاني اللغوية. ونوضح الفارق بين معنى الوحي الاصطلاحي والمعنى اللغوي، المعنى اللغوي للوحي هو: إعلام بخفاء من أي لأي بأي. والوحي بمعناه الشرعي: إعلام بخفاء من الله لرسوله. وكل الألوان الأخرى من الوحي نأخذها بالمعنى اللغوي. وقوله الحق هنا في الآية التي نحن بصددها: ﴿ إنآ أوحينآ إليك كمآ أوحينآ إلى نوح ﴾. و " أوحينا " هنا قد جاءت للإعلام بخفاء من الله لرسول من رسله. ونعلم أن صفات الكمال للحق سبحانه وتعالى هي صفات الكمال المطلق. وكل الخلق مقدورون لقدرته سبحانه. ولا يمكن لأحد أن يتصل اتصالا مباشرا بالأعلى المطلق. ولا يستطيع أحد أن يتحمل ذلك حتى الرسول. ولذلك يأتي الحق بنورانيين من الملائكة ليأخذوا منه ليعطوا للرسول. ويسبق ذلك إعداد الرسول لهذه المهمة. إذن فالمسألة تمر بمراحل تصفية، الأعلى يعطى للملائكة، والملائكة يعطون للمصطفى من الخلق، والمصطفى مصنوع على عين الله ليتلقى الوحي، ومن بعد ذلك يعطي الرسول لغيره من البشر. وكل ذلك لتقريب مسافات الالتقاء. وعلى رغم تقريب مسافات الالتقاء تحصل الهزة من آخر مرحلة حين يستقبل من أدنى مرحلة، فحين يستقبل الرسول الوحي من ملك تحدث له هزة. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول عن أول لقاء له مع الوحي: حتى جاءه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال: اقرأ. قال: ما أنا بقارئ قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني. فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني. فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني. فقال: اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم. وكان جبينه يتصفد عرقا، ورجف فؤاده ودخل على زوجه خديجة بنت خويلد فقال: " زملوني زملوني " فزملوه حتى ذهب عنه الروع. وكان ذلك أمرا طبيعيا فهذا الملك جبريل متصل ببشر هو محمد بن عبدالله ولا بد أن يحدث ذلك للرسول، وذلك حتى يتكيف ليستقبل من الملك. لكن أتظل هذه الرجفة المتعبة؟. لا، إن الوحي يفتر لفترة وتذهب عنه متاعبه فيشتاق الرسول إليه ويصير قادرا على تحمل متاعبه، مثل تفصد الجبين بالعرق، ومثل الثقل في الحركة حتى إذا جاءه الوحي وهو على دابة فهي تئط وتئن، وإن جاءه الوحي وهو جالس وفخذه على فخذ واحد من الصحابة، فيكاد ثقل الرسول يرض عظام الرجل ويكسرها، كل ذلك من المتاعب تحدث للرسول في أثناء الوحي لأن تغييرا كيماويا يحدث في بدنه صلى الله عليه وسلم ليتأكد أن الكلام الذي يتلقاه ليس كلاما عاديا، لكنه كلام قد جاء بإعجاز، وأنه من عند الله.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٢١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٢١٩