ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذآ إلا سحر مبين
[الأنعام: 7] فالمنكر يريد الإصرار على الإنكار فقط. وليست المسألة جدلا في حق وإنما هي لجاج في باطل. ويتابع سبحانه وتعالى أسماء الأنبياء الذين أوحى الله إليهم: ﴿ وأوحينآ إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داوود زبورا ﴾ ونلحظ أنه جل وعلا ذكر الوحي عاما لكنه حينما جاء لداود ذكر اسم كتابه " الزبور " ولم يأت في الآية بأسماء الكتب المنزلة على الرسل السابقين مثل نزول التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى لأن ما جاء به داود في الزبور أمر تجمع عليه كل الشرائع، وهو تحميد الله والثناء عليه فلم توجد في الزبور أية أحكام.
وقد يقول قائل: إن عيسى أيضا لم تنزل عليه أحكام في الإنجيل. ونقول: لأن الإنجيل يلتحم بالتوراة وجاء بالوجدانيات الدينية وكانت التوراة موجودة قبله وفيها الأحكام. ولذلك فمن عجيب أمر أهل الكتاب من يهود ونصارى، أنهم على رغم اختلافهم في قمة الأمور وهي مسألة عيسى وأم عيسى، جاءوا آخر الأمر ليلتقوا ويسموا الكتابين " العهد القديم والعهد الجديد " ويعتبروهما كتابا واحدا يسمونه الكتاب المقدس. وما معنى " الزبور "؟ المادة كلها مأخوذة من " زبر البئر " ، فعندما يقوم الناس بحفر بئر ليأخذوا منها الماء، يخافون أن ينهال التراب من جوانبها عليه فتطمر البئر لذلك يصنعون لجدران البئر بطانة من الحجارة، وفي الريف المصري نجد أنهم يصنعون تلك البطانة من الأسمنت. وكلمة " زبر البئر " تؤدي معنى كل عملية لإصلاح البئر ثم أخذ الناس هذه الكلمة في معان مختلفة، فسموا العقل " زبرا " لأنه يعقل الأمور. وإذا كان السياج من الحجارة يعقل التراب عن البئر ويمنعه، فكذلك العقل يحمي الإنسان من الشطط وليضبط الإنسان حريته في إطار مسئوليته ليفكر، ويعقل الغرائز عن الفكاك بالإنسان إلى الشتات والضلال. ويخطئ الناس في بعض الأحيان في فهم معنى " العقل " ويظنون أن العقل هو إطلاق الحبل على الغارب للأفكار دون انتظام أو مسئولية، ونقول: افهموا أولا معنى كلمة العقل حتى تعرفوا مهمته. ويقول الحق من بعد ذلك: ﴿ ورسلا قد قصصناهم... ﴾.