فألقى شبه المسيح عيسى عليه، فقتل اليهود " سرخس ". وقالوا: إنه حينما عرف بعض الذين ذهبوا لقتل عيسى أنه رفع، خافوا أن تنتشر حكاية رفع عيسى بين الناس فيؤمنوا برسالة عيسى، وقد ينتقم الناس من الذين أرادوا قتله. ولذلك جاء القتلة بشخص وقتلوه وألقى على هذا القتيل شبه عيسى وأعلن القتلة أنهم قتلوا المسيح عيسى ابن مريم. أو أن القتيل هو واحد ممن باعوا نبي الله عيسى لليهود، ولما رأى المشهد ووجد المتربصين بعيسى يدخلون على الحواريين وفيهم عيسى وسأل المتربصون الحواريين: أيكم عيسى؟ فتيقظت ملكة التوبة في نفس الذي وشى بعيسى وقادة تأنيب الضمير على خيانة الرسول إلى أن يقول: " أنا عيسى ". ولم يتصور المتربصون أن يجيب إنسان على قولهم: " أيكم عيسى ". إلا وهو عيسى بالفعل لأن مشهد المتربصين يوحي أنهم سيقتلون عيسى. وقتلوا الذي اعترف على نفسه دون تثبت. أو أن واحدا باع عيسى لقاء ثلاثين دينارأ وتشابه عليهم فقتلوا الواشي، ولم يظفروا بعيسى ابن مريم. ونحن كمسلمين لا نهتم اهتماما كبيرا بتلك الروايات. فالمهم أنهم قالوا قتلنا عيسى. وصلبناه. وقرآننا الذي نزل على رسولنا صلى الله عليه وسلم قال: ﴿ وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ﴾. وقال الحق لنا: إنه رفع عيسى إليه، وانتهت المسألة بالنسبة لنا لأننا كمؤمنين لا نأخذ الجزئيات الدينية أولا فإن صدقناها آمنا، لا. نحن نؤمن أولا بمنزل هذه الجزئيات ونصدق من بعد ذلك كل ما جاء منه سبحانه، وهو قال ذلك فآمنا به وانتهت المسألة. إن البحث في هذا الأمر لا يعنينا في شيء، ويكفينا أن الحق سبحانه وتعالى قال: ﴿ وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ﴾. ويدلنا هذا القول على عدم تثبت القتلة من شخصية القتيل، وهو أمر متوقع في مسألة مثل هذه، حيث يمكن أن تختلط الأمور. إننا نرى ذلك في أية حادثة تحدث مع وجود أعداد كبيرة من البشر وأعينهم مفتوحة، وعلى الرغم من ذلك تختلف فيها الروايات. بل وقد تكون الحادثة مصورة ومسجلة ومع ذلك تختلف الروايات، فما بالنا بوجود حادثة مثل هذه في زمن قديم لا توجد به كل الاحتياطات التي نراها في زماننا؟ إذن فاضطراب الآراء والروايات في تلك الحادثة أمر وارد، ويكفينا أن الحق سبحانه وتعالى قال: ﴿ وما قتلوه وما صلبوه ﴾. فعيسى باق لأن الحق لم يأت لنا بخبر موت عيسى. ويبقى الأمر على أصل ما وردت به الآيات من أن الله سبحانه وتعالى رفع عيسى ابن مريم.
وكمسلمين لا نستبعد أن يكون الحق سبحانه وتعالى قد رفعه إلى السماء لأن المبدأ - مبدأ وجود بشر في السماء - قد ثبت لرسولنا صلى الله عليه وسلم، فقد حدثنا صلى الله عليه وسلم أنه عرج به إلى السماء، وأنه صعد وقابل الأنبياء ورأى الكثير من الرؤى، إذن فمبدأ صعود واحد من البشر من الأرض وهو لا يزال على قيد الحياة البشرية المادية إلى السماء أمر وارد. والخلاف يكون في المدة الزمنية، لكنه خلاف لا ينقض مبدأ، سواء صعد وبقي في السماء دقائق أو ساعات أو شهورا. فإن حاول أحد أن يشكك في هذه المسألة نقول له: كل أمر قد يقف العقل فيه يتناوله الحق سبحانه وتعالى تناولا موسعا. فسبحانه خالق رحيم لا يورد نصا بحيث يتوقف العقل أمامه، فإن قبل العقل النص كان بها، وإن لم يقبله وجدت له مندوحة، لأنه أمر لا يتعلق بصلب العقيدة. فهب أن إنسانا قال إن عيسى لم يرفع بل مات، فما الذي زاد من العقائد وما الذي نقص؟ ذلك أمر لا يضر ولا ينفع. ومثل ذلك الإسراء، جاء فيه الحق بالقول القرآني:
سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنآ إنه هو السميع البصير
[الإسراء: 1] ولم يقل الحق أي قول في أمر المعراج، لأن الإسراء آية أرضية، انتقل فيها الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس. ونعلم أن رسول الله لم يذهب إلى بيت المقدس قبل الإسراء، بدليل أن كفار مكة أرادوا إحراج الرسول فقالوا له: صف لنا بيت المقدس. وهم واثقون من عدم ذهابه إليه من قبل. وكان في الطريق قوافل لهم رآها صلى الله عليه وسلم، ووصف صلى الله عليه وسلم بيت المقدس وقال لهم عن أخبار قوافلهم. وجاءت القوافل مثبتة لصدق محمد صلى الله عليه وسلم. إذن كان الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم آية أرضية يمكن أن يقام عليها الدليل. ولذلك جاء بها الحق صريحة فقال: ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ﴾. لكن المعراج لم يذكره الحق صراحة، فلم يكن من قريش ولا من أهل الأرض من رأي سدرة المنتهى، ولم يكن لأحد من أهل الأرض القدرة على أن يصف طريق المعراج. إذن فالآيات التي يقف فيها العقل يتناولها القرآن تناولا موسعا رحمة بالعقول لأن الإنسان إن اعتقد بها فهذا أمر جائز، وعدم الاعتقاد بها لا يؤثر في أصل العقيدة، ولأ في أصول التكليفات، ومدارها التصديق. ومادام الحق سبحانه وتعالى قد فوض رسوله أن يعطينا أحكاما. إن عملنا بها جزانا الله الثواب، وإن لم نعمل بها نالنا العقاب ﴿ ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ﴾ ، فكيف لا يفوضه في أن يقول لنا بعضا من الأخبار؟! ورسول الله صلى الله عليه وسلم فيما روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - وذكره البخاري في صحيحه أنه قال: