[البقرة: 89] ومن رحمة الله بمريم نفسها أن الله جعل لها التمهيدات التي تثبت لها أمام نفسها أنها بريئة، وأن العملية كلها قد تمت ب " كن " من الله، ولم يجعل الله المسألة سرا عن مريم فتحمل بأمر قوله: " كن " دون أن تدري، لا. بل أراد سبحانه أن تكون عملية مادية. وجاء الملك لمريم ونفخ فيها بالحمل. وعرفت هي السبب ماديا بالملك والنفخ حتى لا تتهم نفسها أو تشك بأن شيئا قد حدث لها وهي نائمة أو غير ذلك. لقد أراد الله المسألة على تلك الصورة ليجعلها أمرا يقطع الشك لديها، وهي التي بشرت به - إيناسا لها - عندما كانت صغيرة قبل البلوغ وجاءها زكريا وهو الكفيل لها والذي يأتيها بالطعام ودخل عليها المحراب فوجد عندها الرزق وسألها: ﴿ أنى لك هذا ﴾ أجابت:
هو من عند الله إن الله يرزق من يشآء بغير حساب
[آل عمران: 37] لقد نطقت مريم البتول من قبل: ﴿ إن الله يرزق من يشآء بغير حساب ﴾ ومن الحساب أن يكون للمرأة زوج لترزق بالولد، ولكن الله يرزق من يشاء بغير حساب. ومن العجيب أنها في هذا القول نبهت زكريا إلى قضية كانت في بؤرة شعوره ولذلك يقول الحق:
هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعآء * فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين * قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله يفعل ما يشآء
[آل عمران: 38-40] إذن فقد شجعت مريم زكريا على أن يدعو ربه، وتلك سلسلة تمهيدية ليطمئن إحساس مريم أن ولادتها لعيسى عليه السلام إنما جاءت ب " كن " وجاء لها الحق بفاكهة الصيف في الشتاء، وعندما قالت لسيدنا زكريا: ﴿ إن الله يرزق من يشآء بغير حساب ﴾ تنبه ودخل من هذا الباب، فدعا ربه على الرغم من علمه أن امرأته عاقر، وأنه بلغ من الكبر عتيا، ومفهوم لنا معنى قول الرجل عن نفسه إنه بلغ من الكبر عتيا أي أنه لم يعد يملك القدرة على الإنجاب.
وهذه القضية تعطينا سبقا قرآنيا لكثير من قضايا العلم:
قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا
[مريم: 4] هذا القول هو أشبه بمذكرة تفسيرية لبلوغه من الكبر عتيا. ويثبت العلم الحديث أن العظام هي آخر وعاء لتغذية الإنسان، فإن امتنع الإنسان عن الطعام فالدهون التي في جسده تغذية. وإن امتنع الماء عن الإنسان وهو المكون لتسعين في المائة من وزنه يمتص الإنسان الماء من خلايا الجسم والعضلات واللحم. ولذلك يقال في المثل العربي: سنة اذابت الشحم، وسنة أفنت اللحم، وسنة محت العظم. فكأن البداية تكون التغذية من الشحم ومن بعد ذلك من اللحم ومن بعد الشحم واللحم يأخذ الجسم غذاءه من العظم. وهذه هي التي جاءت على لسان سيدنا زكريا: ﴿ قال رب إني وهن العظم مني ﴾. فآخر مخزن للتغذية لم يعد به ما يمكن أن يستمد منه زكريا طاقة الإنجاب. وما الذي يغذيه العظم من الجسم؟ إنه يغذي المخ، وهو السيد الأعلى الذي يدير كل جارحة في الجسم، وتعمل كل جارحة في خدمته، ويعيش المخ بطبيعة الحال كل عمره في خدمة الجوارح، يرتب لها قدرات العمل والتفكير والإحساس والسلوك، وما دام المخ موجودا، فكل شيء يتم تعويضه. ولذلك يحاولون - الآن - تعريف الموت طبيا، فيقولون: لا يحدث الموت مادامت خلايا المخ حية فإذا ماتت خلايا المخ فهذا هو الموت. ومن عجيب الأمر أن سيد الإنسان له مكان في أعلى الجسم إنه هو المخ، داخل الجمجمة، أما النبات فسيده في الجذور. وإن لم تجد الجذور مياها تذيب بها العناصر في الأرض فالنبات يأخذ غذاءه من الورق، وبعد أن يذبل الورق يأخذ النبات غذاءه من الفروع الصغيرة. وعندما تذبل تلك القروع وتجف ولا ينقذ النبات إلا مجيء بعض الماء للجذور. وكذلك المخ بالنسبة للإنسان. فكأن مريم شجعت سيدنا زكريا عندما قالت أمامه: ﴿ إن الله يرزق من يشآء بغير حساب ﴾ فدعا سيدنا زكريا الله أن يرزقه بالولد، فجاءه الولد. وهذه القضية نطقت بها مريم وتمت تجربتها في سيدنا زكريا. وبعد ذلك جاءها البشير بميلاد المسيح عيسى ابن مريم: