تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا مآ أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جآء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون

[الأنعام: 91] لقد أبلغتهم يا محمد أن الذي أنزل الكتاب عليك هو الحق سبحانه وتعالى الذي أنزل من قبل التوراة فأخفيتم بعضها وأظهرتم البعض الآخر، ثم بعد البلاغ اتركهم يخوضون في باطلهم.

وفي موقع آخر يتكلم الحق من الخوض:

يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزءوا إن الله مخرج ما تحذرون * ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون

[التوبة: 64-65] إذن الخوض هو الدخول في مائع، ومادمت قد دخلت في مائع فلن تجد فيه طريقا محددا بل يختلط المدخول فيه بالمدخول عليه فلا تتميز الأشياء، وأخذ منه الخوض بالباطل أو الخوض باللعب الذي ليس فيه غاية. ﴿ وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره ﴾. وتأتي الكلمة التي ترهب المؤمن وترعبه: ﴿ إنكم إذا مثلهم ﴾ أي إنكم إذا قعدتم معهم وهو يخوضون في آيات الله تكفرون مثلهم لأنكم تسمعون الخوض في الدين بالباطل، ومن يرض بالكفر يكفر. لقد أعطتنا الآية مرحلية أولية، فإذا ما كانت البيئة الإيمانية مجتمعا ذاتيا متكافلا فليس لأحد من المؤمنين أن يجالس الكافرين، ولا نواليهم إلا إذا والونا لأن الجلوس معهم في أثناء الخوض في الدين يجرئهم على مناهج الله، وعلى المؤمن أن ينهر أي ساخر من الدين. وعلى المؤمنين أن يعرضوا عمن ينحرف عن منهج الله أو يتعرض له. ولكن المجتمعات المعاصرة تكرم من يخوض بالباطل وفي ذلك إغراء للناس على أن يخوضوا في الدين بالباطل. وقوله الحق: ﴿ فلا تقعدوا معهم ﴾ هو إيذان بالمقاطعة فلو أن إنسانا بهذا الشكل يسكن في منزل، ويذهب إلى البقال ليشتري منه شيئا ليأكله فيرفض البيع له، وكذلك الجزار، وكذلك أي إنسان في يده مصلحة لمثل هذا الخارج عن المنهج، وبذلك تكون المقاطعة حتى يتأدب، ويعلم كل إنسان أن المجتمع غيور على دينه الذي آمن به، وأن الله أعز عليهم من كل تكريم يرونه في مجتمعهم، ولو أن كل واحد من هؤلاء المنحرفين والموغلين في الباطل لو رأوا المجتمع وقد قاطعهم ووضع لهم حدودا لذهبوا إلى الصواب ولبحثوا عن شيء آخر ومجال آخر يأكلون العيش منه ويطعمون أولادهم اللقمة الحلال من هذا العمل المشروع. ويقول الحق: ﴿ إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا ﴾ ولا تستبطئوا هذه الحياة لأن المسلم لا يأخذ الأمور بعمر الدنيا كقرن أو اثنين أو حتى عشرة قرون، بل عليه أن يعرف أن الدنيا بالنسبة له هي عمره فيها، والعمر يمكن أن ينتهي فجأة، ويعمل المسلم لا من أجل الدنيا فقط، ولكن من أجل أن يلقى الله مسلما في الآخرة، والمؤمن يخشى أن يحشره الله مع المنافقين والكافرين في جهنم، وهذا مصير من يقبل السخرية أو الاستهزاء بدينه. وبعد ذلك يقول الحق: ﴿ الذين يتربصون بكم... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١١٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١١٧٦