تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قل هو الله أحد * الله الصمد

[الإخلاص: 1-2] فلا أحد سيغير حكم الله.. إذن فقوله الحق: ﴿ فالله يحكم بينكم يوم القيامة ﴾ أي لا معقب لحكم الله، فلا إله غيره يعقب عليه. ﴿ ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ﴾ وهذه نتيجة لحكم الله، فلا يمكن أن يحكم الله للكافرين على المؤمنين. ولن يكون للكافرين حجة أو قوة أو طريق على المؤمنين. وهل هذه القضية تتحقق في الدنيا أو في الآخرة؟ ونعلم أن الحق يحكم في الآخرة التي تعطلت فيها الأسباب، ولكنه جعل الأسباب في الدنيا، فمن أخذ بالأسباب فنتائج الأسباب تعطيه لأن مناط الربوبية يعطي المؤمن والكافر، فإن أخذ الكافرون بالأسباب ولم يأخذ المؤمنون بها، فالله يجعل لهم على المؤمنين سبيلا، وقد ينهزم المؤمنون أمام الكافرين.

والحكمة العربية تعلمنا: إياك أن تعتبر أن الخطأ ليس من جند الصواب. لأن الإنسان عندما يخطئ يصحح له الخطأ، فعندما يعلم المدرس تلميذه أن الفاعل مرفوع، وأخطأ التلميذ مرة ونصب الفاعل فهذا يعني أنه أخذ القاعدة أولأ ثم سها عنها، والمدرس يصحح له الخطأ، فتلتصق القاعدة في رأس التلميذ بأن الفاعل مرفوع. وهكذا يكون الخطأ من جنود الصواب. والباطل أيضا من جنود الحق. فعندما يستشرى الباطل في الناس يبرز بينهم هاتف الحق. وهكذا نرى الباطل نفسه من جند الحق، فالباطل هو الذي يظهر اللذعة من استشراء الفساد، ويجعل البشر تصرخ، وكذلك الألم الذي يصيب الإنسان هو من جنود الشفاء لأن الألم يقول للإنسان: يا هذا هناك شيء غير طبيعي في هذا المكان. ولولا الألم لما ذهب الإنسان إلى الطبيب. علينا - إذن - أن نعرف ذلك كقاعدة: الخطأ من جنود الصواب، والباطل من جنود الحق، والألم من جنود الشفاء، وكل خطأ يقود إلى صواب، ولكن بلذعة، وذلك حتى لا ينساه الإنسان. وتاريخ اللغة العربية يحكي عن العلامة سيبويه، وهو من نذكره عندما يلحن أحد بخطأ في اللغة فنقول: " أغضب المخطئ سيبويه " لأن سيبويه هو الذي وضع النحو والقواعد حتى إننا إذا أطلقنا كلمة الكتاب في عرف اللغة فالمعنى ينصرف إلى كتاب سيبويه فهو مؤلف الكتاب. وسيبوبه لم يكن أصلا عالم نحو، بل كان عالم قراءات للقرآن، حدث له أن كان جالسا وعيبت عليه لحنة في مجلس، أي أنه أخطأ في النحو وعاب عليه من حوله ذلك، فغضب من نفسه وحزن، وقال: والله لأجيدن العربية حتى لا ألحن فيها. وأصبح مؤلفا في النحو. ومثال آخر: الإمام الشاطبي - رضي الله عنه - لم يكن عالم قراءات بل كان عالما في النحو، وبعد ذلك جاءت له مشكلة في القراءات فلم يتعرف عليها، فأقسم أن يجلس للقراءات ويدرسها جيدا. وصار من بعد ذلك شيخا للقراء. فلحنة - أي غلطة - هي التي صنعت من سيبويه عالما في النحو، ومشكلة وعدم اهتداء في القراءات جعل من الإمام الشاطبي شيخا للقراء على الرغم من أن سيبويه كان عالم قراءات، والشاطبي كان رجل نحو. ولذلك أكررها حتى نفهمها جيدا: الخطأ من جنود الصواب، والباطل من جنود الحق، والألم من جنود الشفاء والعافية. وقد نجد الكافرين قد انتصروا في ظاهر الأمر على المؤمنين في بعض المواقع مثل أحد، وكان ذلك للتربية ففي " أحد " خالف بعض المقاتلين من المؤمنين رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت الهزيمة مقدمة للتصويب، وكذلك كانت موقعة حنين حينما أعجبتهم الكثرة:

ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين

[التوبة: 25] والشاعر العربي الذي تعرض لهذه المسألة قال:

إن الهزيمة لا تكون هزيمة

إلا إذا لم تقتلع أسبابها

لكن إذا جهدت لتطرد شائبا

فالحمق كل الحمق فيمن عابها

فعندما يقتلع الإنسان أسباب الهزيمة تصبح نصرا، وقد حدث ذلك في أحد، هم خالفوا في البداية فغلبهم الأعداء، ثم كانت درسا مستفادا أفسح الطريق للنصر. فإن رأيت أيها المسلم للكافرين سبيلا على المؤمنين فلتعلم أن الإيمان قد تخلخل في نفوس المسلمين فلا نتيجة دون أسباب، وإن أخذ المؤمنون بالأسباب أعطاهم النتائج. فهو القائل:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١١٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١١٧٨