وحين يشهد الإنسان على نفسه فلن يكون أبوه أو أمه أو أحد أقاربه أعز منه. ثم يدخل بنا الحق إلى أن استحثاثات مخالفة العدالة تدخل فيها الأهواء، وحين يرجح إنسان الباطل غير الواقع على حق واقع، فالمرجح هو هوى النفس، ومنشأ الهوى أن يكون المشهود عليه غنيا فيخاف الإنسان أن يشهد عليه، فيمنعه من خير ما. ولذلك حدد الحق قوامة المؤمنين بالقسط والشهادة لله ولو على النفس أو الأب أو الأم أو الأقارب، ولا يصح أن يضع أحد من المؤمنين ثراء أو فقر المشهود له أو عليه في البال، بل يجب أن يكون البال مع الله فقط لذلك قال: ﴿ إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا ﴾. وقد يقول قائل: إن الهوى قد ينحاز إلى الغني طمعا في ثرائه فلماذا يذكر الله الفقير أيضا؟ ونقول: قد ينحاز الهوى إلى الفقير رحمة بالفقير فيحدث الشاهد نفسه " أنه فقير ويستحق الرحمة " لذلك يحذرنا الحق من الانحياز إلى الغني أو إلى الفقير. ولا دخل للشهادة بثراء الثري أو بفقر الفقير لأن العبد المؤمن ليس أولى او أحق برعاية مصالح الناس من خالقهم - جل شأنه - ولذلك جاء بالحيثية الملجمة ﴿ فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا ﴾ أي أنك أيها العبد لم تخلق أحدا منهما ولكن الله خالق الاثنين وهو أولى بهما فليس لك أن تقيم شهادتك على الثراء أو على الفقر لأنك لست القيم على الوجود. والذي يفسد ويشوش على العدل هو الهوى، والمثل العربي يقول: " آفة الرأي الهوى ". وإياكم أيها المؤمنون واتباع الهوى حتى لا تفسد قدرتكم على العدل وتجنحوا بعيدا عنه. والتاريخ العربي يحتفظ لنا في ذاكرته حكاية رجل فاضل ذهب إلى الخليفة وقال له: أعفني من القضاء! فقال الخليفة: فمن يكون للقضاء إذن وأنت العادل الذي شهد له كل الناس بذلك؟ فقال القاضي: والله يا أمير المؤمنين لقد عرف الناس عني أني أحب الرطب - أي البلح - وبينما أنا في بيتي وإذا بالخادم قد دخل ومعه طبق من رطب وكنا في بواكير الرطب، ومن الطبيعي أن تكون النفس في لهفة عليه مادامت تحبه، ويتابع القاضي حكايته للخليفة: فقلت للخدام من جاء به؟ فأجاب الخادم: إنه واحد صفته كذا وكذا فتذكرت أن من أرسل الرطب هو واحد من المتقاضين أمامي، فرددت عليه الرطب، ولما كان يوم الفصل في قضية صاحب الرطب، دخل الرجل علي فعرفته فوالله يا أمير المؤمنين ما استويا في نظري هو وخصمه على الرغم من أني رددت الطبق. وهكذا استقال القاضي العربي المسلم من منصب القضاء. ويتابع الحق سبحانه: ﴿ وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا ﴾.
أن تلووا في الشهادة واللي هو التحريف.. أي تحرفوا الشهادة وتغيروها، فإن الله بما تعملون خبير، أو أن يعرض الشخص عن أداء الشهادة لأنه يخاف من المشهود عليه لذلك يقال: إنه خائف من المشهود عليه لأن الشهادة ترجح حكم المشهود له لهذا فهو يعرض عن الشهادة، وإن جاء للشهادة فهو يلف الكلمات ويلوي لسانه بها لذلك يقول الحق: ﴿ وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا ﴾. إذن فالذي يفسد العدل هو الهوى، والهوى عمل القلب لذلك نحتاج إلى خبرة الخبير اللطيف. فعلينا أن نعلم أن النيات عمل القلوب، وبذلك صار العمل ينقسم الآن أمامنا إلى ثلاثة أقسام: قول لسان، وفعل بجوارح غير اللسان، ونيات قلوب وهوى. ومن بعد ذلك يقول الحق سبحانه: ﴿ يا أيها الذين آمنوا... ﴾.