. أي كل الكتب التي نزلت على الرسل السابقين على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك يقال على " ال " السابقة لكلمة الكتاب الثانية: " هي " " ال " الجنسية. والجنس كما نعلم - تحته أفراد كثيرة بدليل أن الحق سبحانه وتعالى يأتي بالمفرد ويدخل عليه الألف واللام ويستثنى منه جماعة، مثال ذلك:
والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات
[العصر: 1-3] نجد " الإنسان " هنا مفرد، ودخلت عليه " ال " ، واستثنى من الإنسان جماعة هم الذين آمنوا، وهذا دليل على أن " الإنسان " أكثر من جماعة. ولذلك يقولون: إن الاستثناء معيار العموم.. أي أن اللفظ الذي استثنينا وأخذنا وأخرجنا منه لفظ عام. ويطالبنا الحق بالإيمان بالكتاب أي القرآن فإذا أطلقت كلمة " الكتاب " انصرفت إلى القرآن لأن " ال " هنا للغلبة، مثال ذلك: يقال: " هو الرجل " ، وهذا يعني أنه رجل متفرد بمزايا الرجولة وشهامتها وقوتها، فإذا أطلقنا الكتاب فهي تعني القرآن لأن كلمة الكتاب غلب إطلاقها على القرآن فلا تنصرف إلا إليه، أو أنه هو الكتاب الكامل الذي لا نسخ ولا تبديل له، ف " ال " هنا للكمال أما الكتاب الذي أنزل من قبل فهو يشمل التوراة والإنجيل وسائر الكتب، والصحف المنزلة على الأنبياء السابقين. ﴿ ومن يكفر بالله وملآئكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا ﴾ أي إن آمن بالله وكفر ببقية ما ذكر في الآية فهو كافر أيضا. وكان بعض اليهود كعبدالله بن سلام، وسلام بن أخته، وسلمة بن أخيه، وأسد وأسيد ابني كعب، وثعلبة بن قيس، ويامين بن يامين قد ذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا:
" نحن نؤمن بك وبكتابك وموسى والتوراة وعزير، ونكفر بما سواه من الكتب والرسل، فقال عليه الصلاة والسلام: " بل آمنوا بالله ورسوله محمد وكتابه القرآن وبكل كتاب كان قبله " فقالوا: لا نفعل ".
فنزلت فآمنوا كلهم. والخطاب والنداء يشمل أيضا المنافقين. أي يأيها الذين آمنوا في الظاهر نفاقا، أخلصوا لله واجعلوا قلوبكم مطابقة لألسنتكم، فالنداء - إذن - يشمل المؤمنين ليستديموا ويستمروا على إيمانهم، ويضم الكافرين من أهل الكتاب ليؤمنوا بكل رسول وبكل كتاب، وهو أيضا للمنافقين ليخلصوا في إيمانهم حتى تطابق وتوافق قلوبهم ألسنتهم. إذن فمن يكفر بأي شيء ذكره الله في هذه الآية فقد كفر بالله. ﴿ ومن يكفر بالله وملآئكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا ﴾ و " ضل " أي سار على غير هدى، فعندما يتوه الإنسان عن هدفه المقصود يقال: ضل الطريق، والذي " ضل ضلالا بعيدا " هو من يذهب إلى متاهة بعيدة، والمقصود بها متاهة الكفر. وهناك ضلال عن الهدى يمكن استدراكه، أما الضلال البعيد والغرق في متاهة الكفر فمن الصعب استدراكه، والضلال متحدون في نقطة البداية، لكنهم فريقان يختلفان، فأحدهما يسير في طريق الإيمان وهو منتبه دائما إلى غايته وهي رضاء الله بتطبيق مطلوباته، ويحذر أن يخالف عن أمره، والآخر انحرف من البداية فوصل إلى متاهة الكفر. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ إن الذين آمنوا... ﴾.