" من خير معاش الناس لهم رجل ممسك عنان فرسه في سبيل الله يطير على متنه، كلما سمع هيعة أو فزعه طار إليها يبتغي القتل والموت مظانه، أو رجل في غنيمة في رأس شعفة من هذه الشعف، أو بطن واد من هذه الأودية يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين، ليس من الناس إلا في خير ".
فإن لم يكن المؤمن متأهبا فهو قاعد، والقاعد - كما نعرف - هو ضد القائم. والحق يقول:
فاذكروا الله قياما وقعودا..
[النساء: 103]. من هذا القول نعرف أن المقابل للقيام هو القعود. وعلينا أن نعرف أن لكل لفظ معنى محددا، فبعضنا يتصور أن القعود كالجلوس، ولكن الدقة تقتضي أن نعرف أن القعود يكون عن قيام، وأن الجلوس يكون عن الاضطجاع، فيقال: كان مضطجعا فجلس، وكان قائما فقعد. وعندما يقول الحق هنا: ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر.. ﴾ [النساء: 95] فالقعود مقابل القيام، فكأن المجاهد حالته القيام دائما، وهو لا ينتظر إلى أن يقوم، لكنه في انتباه واستعداد. ويوسع الحديث الشريف الدائرة في مسئوليات المجاهد فيرسم صورة للمقاتل أنه على أتم استعداد وعلى صهوة الفرس وممسك باللجام حتى لا تدهمه أية مفاجأة. وهل كانت هناك مظنة أن يستوي القاعد والمجاهد؟. لا، ولكن يريد الله أن يبين قضية إيمانية مستورة، فيظهرها بشكل واضح لكل الأفهام. ونحن نقول للطالب: " إن من يستذكر ينجح ومن لا يستذكر يرسب " وهذه مسألة بديهية، لكننا نقولها حتى نجعلها واضحة في بؤرة شعور التلميذ فيلتفت لمسئولياته. وعندما يقول الحق: ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله.. ﴾ [النساء: 95] هل معنى ذلك أن عقلا واحدا في زمن رسول الله كان يظن المساواة بين القاعد والمجاهد؟ لا، ولكن الحق يريدها قضية إيمانية في بلاغ إيماني من الله. وبعد ذلك يلفت الأنظار إلى صفة القاعدين الذين لا يستوون مع المجاهدين فيقول: ﴿ غير أولي الضرر.. ﴾ [النساء: 95]. والضرر هو الذي يفسد الشيء مثل المرض، وهذا ما يوضحه قول الحق:
ليس على الضعفآء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم * ولا على الذين إذا مآ أتوك لتحملهم قلت لا أجد مآ أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون
[التوبة: 91-92]. فالضعف ضرر أخرج الإنسان عن مقومات الصحة والعافية، والمرض ضرر، والذين لا يجدون مالا ينفقون منه، ولا الذين يجيئون لرسول الله فلا يكون بحوزة الرسول دواب تحملهم، فينصرفون وأعينهم تفيض من الدمع حزنا لأنهم لا يجدون ما ينفقون. وكان المؤمن من هؤلاء يحزن لأن رسول الله لم يجد له فرسا أو دابة تنقله إلى موقع القتال:
ولا على الذين إذا مآ أتوك لتحملهم قلت لا أجد مآ أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون
[التوبة: 92]. لقد تولوا وأعينهم تفيض من الدمع. وكلمة ﴿ تولوا.. ﴾ هنا لها معنى كبير، فلم يقل الحق: إن أعينهم تفيض من الدمع من غير التولي، وهم لا يدمعون أمام النبي، ولكنهم يدمعون في حالة توليهم، وهذا انفعال نفسي من فرط التأثر لأنهم لا يشتركون في القتال. وكلمة " تفيض " تدل على أن الدمع قد غلب على العين كلها، فهم لا يصطنعون ذلك، لكن الانفعال يغمرهم لأن الذي يتصنع ذلك يقوم بتعصير عينيه ويبذل جهدا للمراءاة، ولكن انفعال المؤمنين الذين لا يقاتلون يغلبهم فتفيض أعينهم من الدمع. وهناك آية أخرى حدد فيها الحق الحالات التي لا يطالب فيها المؤمن بالقتال:
ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار..
[الفتح: 17]. هؤلاء - إذن - هم أولو الضرر. ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم.. ﴾ [النساء: 95] وما داموا لا يستوون فمن الذي فيهم يكون هو الأفضل؟. ذلك ما توضحه بقية الآية التي تحمل المقولة الإيمانية الواضحة: ﴿ فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى.. ﴾ [النساء: 95]. وسبحانه وعد الاثنين بالحسنى الإيمانية لأن كلا منهما مؤمن، ولكن للمجاهد درجة على القاعد. وإن تساءل أحد: ولماذا وعد الله القاعد من أولى الضرر بالحسنى؟ وهنا أقول: علينا أن ننتبه وأن نحسن الفهم والتدبير عندما نقرأ القرآن لأن الذي أصابته آفة فناله منها ضرر، فصبر لحكم الله في نفسه، ألا يأخذ ثوابا على هذه؟. لقد أخذ الثواب ولا بد - إذن - أن يعطي الحق من لم يأخذ ثوابا مثله فرصة ليأخذ ثوابا آخر حتى يكون الجميع في الاستطراق الإيماني سواء. لذلك يقول سبحانه: ﴿ وكلا وعد الله الحسنى.. ﴾ [النساء: 95]. والحسنى في أولي الضرر أنه أخذ جزاء الصبر على المصيبة التي أصابته، والذي لم يصب بضرر سيأخذ ثواب الجهاد، وبذلك يكون الجميع قد نالوا الحسنى من الله. ﴿ وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما ﴾ [النساء: 95]. وسبحانه يضع أجرا جديدا للقائم مجاهدا على القاعد، ففي صدر الآية جاء ب " درجة " أعلى للقائم مجاهدا، وهنا " أجر عظيم ". ما تفسير هذا الأجر العظيم؟. التفسير يجيء في قوله: ﴿ درجات منه ومغفرة ورحمة... ﴾.