إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا..
[التوبة: 28]. وقبل أن يقول أهل الحرم في أنفسهم: وكيف نعيش ونصرف بضائعنا؟، يتابع سبحانه:
وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله..
[التوبة: 28]. وبذلك يكشف الحق أمام النفوس خواطرها الدفينة فهو العليم بأن الحكم ساعة ينزل ما الذي سيحدث في أذهان سامعيه فهو خالقهم، ولذلك فلا أحد له من بعد ذلك تعليق! وقوله الحق: ﴿ تبتغون عرض الحياة الدنيا.. ﴾ [النساء: 94] ينطبق في كل عصر وفي كل زمان. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ فعند الله مغانم كثيرة.. ﴾ [النساء: 94]. فسبحانه الرزاق الوهاب. ولذلك أنا أحب أن يزين الناس أماكنهم ومساكنهم بلوحات فنية مكتوب عليها:
وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله..
[التوبة: 28]. وكذلك قول الحق: ﴿ تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة ﴾ [النساء: 94]. لعل ذلك يمس قلوب من بيدهم الأمر، فيلتفتوا إلى الله. وبعد ذلك يقول الحق: ﴿ كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا ﴾ [النساء: 94] وفي هذا دعوة لأن يمر من نزل فيهم القرآن بتاريخهم القريب ويسترجعوا ماضيهم، فلماذا يتهم المسلم أخاه الذي يلقي السلام بأنه ما زال كافرا ولا يفكر أن الذي ألقى إليه السلام هو إنسان يستر إسلامه بين أهله لأنهم كفار؟ وكان المسلم يمر بهذه الحالة عند بداية الإسلام كان المسلم يستر إسلامه عن أهله الذين كانوا كافرين. وكان المسلمون الأوائل قلة مستذلة تداري إيمانها، فهل سلط الله عليهم أحدا يجترئ على التفتيش على النوايا؟ إذن فمثلما حدث لكم قدروه لإخوانكم. ﴿ كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم.. ﴾ [النساء: 94] والحق يمن عليهم بأنهم صاروا أهل رفعة بكلمة الإسلام، وصار المسلم منهم يمشي عزيز الجانب ولا يجرؤ واحد أن يوجه إليه أي شيء. ويأتي سبحانه هنا بكلمة " فتبينوا " مرة أخرى بعد أن قالها في صدر الآية. وكان مقصودا بها ألا يقتل مسلم إنسانا ألقى السلام لمجرد أن المسلم يفكر في المسألة الاقتصادية، وها هوذا يعيد سبحانه كلمة " فتبينوا " ، لقد جاءت أولا كتمهيد للحيثية، وهي قوله: ﴿ تبتغون عرض الحياة الدنيا.. ﴾ [النساء: 94] وتأتي هاهنا نتيجة للحيثية ﴿ فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا ﴾ [النساء: 94]. وسبحانه حين يشرع لا يشرع عن خلاء، لكنه خبير بكل ما يصلح النفس الإنسانية، ولا يعتقدن أحد أنه خلقنا ثم هدانا إلى الإيمان ليخذلنا في نظام الحياة، بل خلقنا وأعطانا المنهج لنكون نموذجا، وليرى الناس جميعا أن الذي يحيا في رحاب المنهج تدين له الدنيا. ﴿ إن الله كان بما تعملون خبيرا ﴾ [النساء: 94]. كأن الحق يقول: إياك أن تستر بلباقتك شيئا وتخلع عليه أمرا غير حقيقي لأن الذي تطلب جزاءه هو الرقيب عليك والحسب، ويعلم المسألة من أولها إلى آخرها. فالذي قتل إنسانا ألقى إليه السلام، لم يقتله لأنه لم يسلم، ولكن لأن بينهما إحنا وبغضاء، وعليه أن يعرف أن الله عليم بما في النفوس. ويريد الحق أن يتثبت المؤمن من نفسه حين يوجهها إلى قتل أحد يشك في إسلامه أو في إيمانه، وحسبه من التيقن أن يبدأه صاحبه بالسلام، ويذكر الحق سبحانه المؤمنين بأنهم كانوا قبل ذلك يستخفون من الناس بالإيمان وكانوا مستترين. فإذا كنتم أيها المؤمنون قد حدث لكم ذلك فاحترموا من غيركم أن يحصل منه ذلك، وثقوا تمام الثقة أن الله عليم خبير، لا يجوز عليه - سبحانه - ولا يخفي عليه أن يدس أحدكم الإحن النفسية ليبرر قتل إنسان مسلم كانت بينه وبين ذلك المسلم عداوة.
وبعد أن تكلم الحق عن قتال المؤمنين للكافرين، وبعد أن تكلم عن تحريم قتل المؤمن للمؤمن حتى لا يفقد المؤمنون خلية الإيمان، بل تكون حياة كل مؤمن خيرا للحركة الإيمانية في الأرض، لذلك علينا أن نحافظ على حياة كل فرد مؤمن لأنه سيساعدنا في اتساع الحركة الإيمانية، فإن حدث أن قتل مؤمن مؤمنا خطأ، فقد بين سبحانه وتعالى الحكم في الآية رقم 92 من سورة النساء. وبعد ذلك أراد الحق سبحانه وتعالى أن يبين الفارق بين من قعد عن الجهاد في سبيل الله ومن جاهد فقال سبحانه: ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين... ﴾.