" فكيف بلا إله إلا الله. هل شققت عن قلبه؟ ".
ويقول أسامة للرسول: لقد قال الشهادة ليحمي نفسه من الموت. وتكون الإجابة: هل شققت قلبه فعرفت، فكيف بلا إله إلا الله؟! فلقول: " لا إله إلا الله " حرمة. وقد روي أن الذي نزلت فيه هذه الآية هو محلم بن جثامة، وقال بعضهم: أسامة بن زيد، وقيل غير ذلك. عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا.. ﴾ [النساء: 94] وقال: كان رجل في غنيمة له فلحقه المسلمون فقال: السلام عليكم فقتلوه وأخذوا غنيمته، فأنزل الله في ذلك: ﴿ ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا.. ﴾ [النساء: 94]. وأهل العلم بالله يقولون: نجاة ألف كافر خير من قتل مؤمن واحد بغير حق. وجاء في بعض الروايات الأخرى أنه المقداد، وذلك فيما رواه البزار بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فيها المقداد بن الأسود فلما أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا وبقي رجل له مال كثير لم يبرح، فقال أشهد أن لا إله إلا الله، وأهوى إليه المقداد فقتله فقال له رجل من أصحابه: أقتلت رجلا شهد أن لا إله إلا الله؟ والله لأذكرن ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا يا رسول الله: إن رجلا شهد أن لا إله إلا الله فقتله المقداد فقال: ادعوا لي المقداد.
يا مقداد أقتلت رجلا يقول: لا إله إلا الله؟ فكيف لك بلا إله إلا الله غدا؟ قال: فأنزل الله ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله.. ﴾ [النساء: 94]. ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا.. ﴾ [النساء: 94] و ﴿ ألقى إليكم السلام.. ﴾ [النساء: 94] يعني جاءكم مستسلما، أو قال تحية المسلمين، وليس من حق أحد أن يلقي الاتهام بعدم الإيمان على من جاء مسلما، أو يقول بتحية الإسلام. وكلمة " عرض " إذا ما سمعناها، فلنعلم أنها في المعنى اللغوي: كل ما يعرض ويزول وليس له دوام أو استقرار أو ثبات. ونحن البشر أعراض لأنه ليس لنا دوام أبدا، ويقال: إن الإنسان عرض إذا ما قاس الواحد منا نفسه بالنسبة للكون لأن الكون لا يتم بناؤه على الإنسان فالكون كله الذي نراه هو عرض وسيأتي يوم ويزول. والعرض بالنسبة للإنسان أن الواحد منا قد يرى نفسه صحيحا أو سقيما، هنا تكون الصحة عرضا وكذلك المرض، وكذلك السمنة والنحافة، ولون البشرة إذا ما لوحته الشمس قد يتغير من أبيض إلى أسمر، وكذلك الغنى والفقر. وكل شيء يمكن أن يذهب في الإنسان ويجيء هو عرض بالنسبة للإنسان، ويكون الإنسان جوهرا بالنسبة له. فإذا قسنا الإنسان بالنسبة إلى ثابت عنه، فالإنسان عرض، فهذا أمر نسبي، وإلا فكل شيء عرض، وكل شيء زائل
ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام
[الرحمن: 27]. ﴿ ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا.. ﴾ [النساء: 94] وعرض الحياة الدنيا هنا هو أن يطمع القاتل فيما يملكه الذي يلقى السلام، وقد يكون عرض الحياة الدنيا - هنا - هو كبرياء نفس الإنسان عندما ينتقم من إنسان بينه وبينه إحن أو بغضاء. وعندما نجد كلمة " عرض " وهذا العرض في " الحياة الدنيا " نفهم - إذن - أنه عرض فيما لا قيمة له. ولذلك نجد الشاعر يعبر عن مشاعر الإنسان حينما يحزن لفقدان شيء كان عنده، وينسى الإنسان أنه هو شخصيا معرض للموت، أي للذهاب عن الدنيا فيقول:
نفسي التي تملك الأشياء ذاهبة
فكيف آسى على شيء لها ذهبا
وكذلك عرض الحياة الدنيا. ونفهم كلمة " دنيا " على أساس الاشتقاق، فهي من " الدنو " ومقابله " العلو " ومقابل " الدنيا " هو " العليا ".
ومن يقوم عرض الحياة الدنيا التقويم الصحيح فهو يملك الذكاء والحكمة والفطنة لذلك لا يأخذ هذا العرض ممن سيقتله عندما يلقي إليه بالسلام لأنه يستخدم البصيرة الإيمانية ويأخذ الحياة الدنيا ممن خلقها. والعاقل حتى لو أراد الحياة الدنيا فهو يطلبها من صاحب الحياة كلها، ولا يأخذها من إنسان مثله، فالحياة الدنيا لا تنفعه بدليل أنه معرض للقتل. ﴿ تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة.. ﴾ [النساء: 94] والحق سبحانه وتعالى ساعة يخاطب النفس البشرية التي خلقها، ويعلم تعلقها بالأشياء التي تنفعها أو تطيل نفعها، مثال ذلك: أن الإنسان يكون سعيدا إذا ما ملك غداءه، وتكون سعادته أكثر إذا امتلك الغداء والعشاء، ويكون أكثر سعادة واطمئنانا عندما يملك في مخزن طعامه ما يقيته شهرا أو عاما، ويكون أكثر إشراقا عندما يمتلك أرضا يأخذ منها الرزق، ويمتلكها أولاده من بعده. إذن فالإنسان يحب الحياة لنفسه، ويحب امتداد حياته في غيره، ولذلك يحزن الإنسان عندما لا يكون له أولاد فهو يعرف أنه ميت لا محالة، لذلك فهو يتمنى أن تكون حياته موصولة في ابنه، وإن جاء لابنه ابن وصار للإنسان حفيد فهو يسعد أكثر لأن ذكره يوجد في جيلين. ونقول لمثل هذا الإنسان: لنفرض أنك ستحيا ألف جيل، لكن ماذا عن حالتك في الآخرة، ألا تنشئ ولدك على الصلاح حتى يدعو لك؟ ولذلك يفاجئ الحق النفس البشرية التي تهفو إلى المغانم، ويكشفها أمام صاحبها، فيأتي بالحكم الذي يظهر الخواطر التي تجول في النفس ساعة سماع الحكم. وعندما أراد سبحانه أن يحرم دخول المشركين البيت الحرام، وسبحانه يعلم خفايا النفوس لأن المشركين حين يدخلون البيت الحرام بتجاراتهم وأموالهم إنما يدخلون مكة من أجل موسم اقتصادي يبيعون فيه البضائع التي يعيشون من ريعها وربحها طوال العام. وساعة يحرم سبحانه دخول المشركين إلى البيت الحرام، يعلم أن أهل الحرم ساعة يسمعون هذا الحكم سيتذكرون مكاسبهم من التجارة، فقال: