تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قد تحدث هزة قليلة في جزئية ولظن الناس وقالوا: إن كل من لم تلفظه الأرض فهو حسن العمل، ولكان أبو جهل في حال لا بأس به، وكذلك الوليد بن المغيرة. لكن الرسول صلى الله عليه وسلم يضع مثل هذه الأمور في وضعها الصحيح لذلك قال: إن الأرض تقبل من هو شر من " محلم " ، ولكن الله أراد أن يعظ القوم ألا يعودوا. ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا.. ﴾ [النساء: 94]. وعلى ذكر ذلك قال لي أخ كريم: كنت أسمع إحدى الإذاعات وأخطأوا وقالوا فتثبتوا بدل من ﴿ فتبينوا.. ﴾ في قوله الحق:

إن جآءكم فاسق بنبإ فتبينوا

[الحجرات: 6]. وأقول: هذه قراءة من القراءات، والمعاني دائما ملتقية، ف " تبين " معناها " طلب البيان ليثبت ". ونعرف أن القرآن قد نزل على سبعة أحرف، وكتابة القرآن كانت بغير نقط وبغير شكل، وهذا حال غير حالنا حيث نجد الحروف قد تم تشكيلها بالفتحة والضمة والكسرة. ونحن نعرف أن هناك حروفا مشتبهة الصورة. ف " الباء " تتشابه مع كل من " الياء " ، وال " نون " وال " تاء " وال " ثاء " ، ولم تكن هذه النقط موجودة، ولم تكن هذه العلامات موجودة قبل الحجاج الثقفي، وكانوا يقرأون من ملكة العربية ومن تلقين واتباع للوحي، ولذلك: " فتبينوا " ممن تتكون؟ تتكون من: " ال " فاء " ولم يحدث فيها خلاف، وال " تاء " وبقية الحروف هي ال " باء " وال " ياء " وال " نون ". وكل واحدة من هذه الأحرف تصلح أن تجعلها " تثبتوا " بوضع النقاط أو تجعلها " تبينوا " ، إنه خلاف في النقط. ولو حذفنا النقط لقرآناها على أكثر من صورة، والذي نتبعه في ذلك هو ما ورد عن الوحي الذي نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولذلك عندما جاءوا بشخص لم يكن يحفظ القرآن وأحضروا له مصحفا ليقرأ ما فيه فقال: صنعة الله ومن أحسن من الله صنعة. ولم يحدث خلاف في ال " صاد " ولكن حدث خلاف في ال " باء " فهي صالحة لتكون باء أو نونا، وكذلك " الغين " يمكن أن تكون " عينا " وقراءة هذه الآية في قراءة " حفص ".

صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة..

[البقرة: 138]. وعندما قرأها الإنسان الذي لا يجيد حفظ القرآن قال: صنعة الله ومن أحسن من الله صنعة. والمعنى واحد. ولكن قراءة القرآن توقيفية، واتباع للوحي الذي نزل به جبريل - عليه السلام - من عند الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - ولا يصح لأحد أن يقرأ القرآن حسب ما يراه وإن كانت صورة الكلمة تقبل ذلك وتتسع له ولا تمنعه، ولذا قالوا: إن للقراءة الصحيحة أركانا هي: 1 - أن تكون موافقة لوجه من وجوه اللغة العربية.

2 - أن تكون موافقة لرسم أحد المصاحف العثمانية. 3 - أن يصح إسنادها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بطريق يقيني متواتر لا يحتمل الشك. وهذه الضوابط نظمها صاحب طيبة النشر فقال:

وكل ما وفق وجه نحو

وكان للرسم احتمالا يحوي

وصح إسنادا هو القرآن

فهذه الثلاثة الأركان

وقوله تعالى:

قال عذابي أصيب به من أشآء..

[الأعراف: 156]. هذه هي قراءة " حفص " وقرأ الحسن: قال عذابي أصيب به من أساء. صحيح أن كلمة " أساء " وهي من الإساءة فيها ملحظ آخر للمعنى، لكن القراءة الأخرى لم تبعد بالمعنى، وعلى ذلك فكلمة ﴿ فتبينوا.. ﴾ تقرأ مرة " فتثبتوا " ومرة تقرأ ﴿ فتبينوا.. ﴾ ، سواء في هذه الآية التي نحن بصددها، أو في الآية التي يقول فيها الحق:

إن جآءكم فاسق بنبإ فتبينوا..

[الحجرات: 6]. و " التبين " القصد منه التثبت، والتبين يقتضي الذكاء والفطنة فيرى ملامح إيمان من ألقى إليه بالسلام:

ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام..

[النساء: 94]. فالمسلم يجب أن يفطن كيلا يأخذ إنسانا بالشبهات، ولذلك نجد النبي يحزم الأمر مع أسامة بن زيد الذي قتل واحدا بعد أن أعلن هذا الواحد إسلامه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١١٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١١٠٣