وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله..
[المزمل: 20]. وما دامت المسألة ضربا في الأرض فهي تحتاج إلى عزم من الإنسان وإلى قوة. ولذلك يقال: الأرض تحب من يهينها بالعزق والحرث. وكلما اشتدت حركة الإنسان في الأرض أخرجت له خيرا. والضرب في سبيل الله هو الجهاد، أو لإعداد مقومات الجهاد. والحق سبحانه يقول لنا:
وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة..
[الأنفال: 60]. فالإعداد هو أمر يسبق المعارك، وكيف يتم الإعداد؟ أن نقوم بإعداد الأجسام، والأجسام تحتاج إلى مقومات الحياة. وأن نقوم بإعداد العدد. والعدد تحتاج إلى بحث في عناصر الأرض، وبحث في الصناعات المختلفة لنختار الأفضل منها. وكل عمليات الإعداد تطلب من الإنسان البحث والصنعة. ولذلك يقال في الأثر الصالح: " إن السهم الواحد في سبيل الله يغفر الله به لأربعة ". لماذا؟. لأن هناك إنسانا قام بقطع الخشب الذي يتم منه صناعة السهم وصقله، وهناك إنسان وضع للسهم الريش حتى يطيره إلى الإمام، وهناك واضع النبل، وهناك من يرمي السهم بالقوس. والحق يريد منا أن نكون أقوياء حتى يكون الضرب منا قويا، فيقول: ﴿ إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا.. ﴾ [النساء: 94] ونعرف أن الضرب في سبيل الله لا يكون في ساعة الجهاد فقط، ولكن في كل أحوال الحياة لأن كل ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. و " تبينوا " تعني ألا تأخذوا الأمور بظواهرها فلا تمضوا أمرا أو تعملوا عملا إلا إذا تثبتم وتأكدتم حتى لا يصيب المؤمنون قوما بظلم. ولهذا الأمر قصة،
" كان هناك رجل اسمه " محلم بن جثامة " ، وكان بينه وبين آخر اسمه " عامر بن الأضبط الأشجعي " إحن - أي شيء من البغضاء - وبعد ذلك كان " محلم " في سرية، وهي بعض من الجند المحدود العدد وصادف " عامرا الأشجعي " ، وكان " عامر " قد أسلم، لذلك ألقى السلام إلى " محلم " فقال " محلم ": إن عامرا قد أسلم ليهرب مني. وقتل محلم عامرا. وذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسأله الرسول: ولماذا لم تتبين؟. ألم يلق إليك السلام، فكيف تقول إنه يقول: " السلام عليكم " لينقذ نفسه من القتل؟ فقال: " محلم ": استغفر لي يا رسول الله. وإذا ما قال أحد لرسول الله: استغفر لي يا رسول الله.. فرسول الله ببصيرته الإيمانية يعرف على الفور حال طالب الاستغفار، فإن قال رسول الله: " غفر الله لك " فهو يعلم أنه كان معذورا، وإن لم يقل رسول الله ذلك، فيعرف طالب الاستغفار أنه مذنب. ولأن بين " محلم " و " عامر " إحنا وعداوات قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمحلم: " لا غفر الله لك " لأن الرسول صلى الله عليه وسلم علم أن الإحن والبغضاء هي التي جعلته لا يدقق في أمر " عامر ". وقال الرواة: ومات محلم بعد سبعة أيام من هذه الحادثة، ودفنوه فلفظته الأرض. فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له فقال: " إن الأرض تقبل من هو شر من صاحبكم ولكن الله أراد أن يعظكم، ثم طرحوه بين صدفي جبل وألقوا عليه الحجارة " ".
وعندما كانت تأتي آية مخالفة لنواميس الدنيا المفهومة للناس فالنبي يريد ألا يفتتن الناس في هذه الآيات، ومثال ذلك عندما مات إبراهيم ابن النبي، انكسفت الشمس، وقال الناس: انكسفت الشمس من أجل ابن رسول الله. ولكن لأن المسألة مسألة عقائد فقد وضحها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث الشريف: عن المغيرة بن شعبة قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مات إبراهيم، فقال الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم فصلوا وادعوا الله ".
لقد قالوا ذلك تكريما لرسول الله وابنه إبراهيم، ولكن الرسول يريد أن يصحح للناس مفاهيمهم وعقائدهم. وكذلك عندما لفظت الأرض " محلم " حتى لا يفتتن أحد ولا يقولن أحد. إن كل من لا تلفظه الأرض هو حسن العمل، فهناك كفار كثيرون قد دفنوا ولم يلفظوا. لذلك قال رسول الله: إن الأرض قبلت من هو شر من " محلم " ولكن الله أراد أن يعظ الناس حتى لا يعودوا لمثلها، ولو لم يقل ذلك، فماذا كان يحدث؟.