تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونعرف أن آية القتل العمد تتطلب المزيد من التفكر حول نصها ﴿ فجزآؤه جهنم خالدا فيها.. ﴾ [النساء: 93] وهل الخلود هو المكث طويلا أو على طريقة التأبيد بمعنى أن زمن الخلود لا ينتهي؟ ولو أن زمن الخلود لا ينتهي لما وصف الحق المكث في النار مرة بقوله:

خالدين فيها..

[آل عمران: 88]. ومرة أخرى بقوله:

خالدين فيهآ أبدا..

[النساء: 169]. هذا القول يدل على أن لفظ التأبيد في " أبدا " فيه ملحظ يزيد على معنى الخلود دون تأبيد. وإذا اتحد القولان في أن الخلود على إطلاقه يفيد التأبيد، وأن

خالدين فيهآ أبدا..

[النساء: 169] تفيد التأبيد أيضا، فمعنى ذلك أن اللفظ " أبدا " لم يأت بشيء زائد. والقرآن كلام الله، وكلام الله منزه عن العبث أو التكرار. إذن لا بد من وقفة تفيدنا أن الخلود هو المكث طويلا، وأن الخلود أبدا هو المكث طويلا طولا لا ينتهي، وعلى ذلك يكون لنا فهم. فكل لفظ من القرآن محكم وله معنى. ثم إن كلمة " خالدين " حين وردت في القرآن فإننا نجد الحق سبحانه وتعالى يقول في خلود النار:

يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد * فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق * خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شآء ربك إن ربك فعال لما يريد

[هود: 105-107]. فكأن الحق سبحانه وتعالى استثنى من الخلود:

إلا ما شآء ربك..

[هود: 107]. والاستثناءلا بد له من زمن، فلا نأخذ الخلود بمعنى التأبيد، ولكن الخلود هو زمن طويل، وكذلك يقول في خلود الجنة:

وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموت والأرض إلا ما شآء ربك عطآء غير مجذوذ

[هود: 108]. وقوله الحق:

إلا ما شآء ربك..

[هود: 107] تفيد أن الخلود عندهم ينتهي. ما دام هناك استثناء فالاستثناء لا بد له من زمن، والزمن مستثنى من الخلود وعلى ذلك لا يكون الخلود تأبيديا. وعلينا أن نتناول الآيات بهذه الروح، وفي هذه المسألة نجد وقفة لعالم من أعلام العقائد في العصر العباسي هو عمرو بن عبيد، وكان عمرو من العلماء الذين اشتهروا بالمحافظة على كرامة العلم وعزة العلماء لدرجة أن خليفة ذلك الزمان قال عنه وسط بعض المنتسبين إلى العلم: " كلهم طالب صيد إلا عمرو بن عبيد " وقد كانت منزلته العلمية عالية ونفسه ذات عزة إيمانية تعلو على صغائر الحياة. وكان عمرو بن عبيد دقيق الرأي، ويحكى عنه قيس بن أنس هذه الحكاية: كنت في مجلس عمرو بن عبيد فإذا بعمرو بن عبيد يقول: " يؤتى بي يوم القيامة فيقال لي: لم قلت بأن قاتل العمد لا توبة له. قال: فقرأت الآية: ﴿ فجزآؤه جهنم خالدا فيها.. ﴾ [النساء: 93] وكان يجب أن يلتفت عمرو بن عبيد إلى أن الإلهام الذي جاءه أو الرؤيا التي أراها له الله بأنه سوف يؤتى به يوم القيامة ليسأل لماذا أفتى بألا توبة لقاتل العمد، كان يجب أن يلتفت إلى أن ذلك يتضمن أن لقاتل العمد توبة لأن سؤاله عن ذلك يوم القيامة يشير إلى عتاب في ذلك. نقول ذلك لنعرف أن الحق سبحانه وتعالى جعل فوق كل ذي علم عليما، ولكن عمرا ذكر ما جاء في قول الحق: ﴿ فجزآؤه جهنم خالدا فيها.. ﴾ [النساء: 93]. وقال قيس بن أنس: وكنت أصغر الجالسين سنا، فقلت له: لو كنت معك لقلت كما قلت: ﴿ فجزآؤه جهنم خالدا فيها.. ﴾ [النساء: 93] وقلت أيضا:

إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء..

[النساء: 48]. قال قيس: فوالله ما رد علي عمرو بن عبيد ما قلت: ومعنى ذلك موافقة عمرو بن عبيد. ماذا تفيد هذه؟. تفيد ألا نأخذ كلمة " خالدين فيها " بمعنى التأبيد الذي لا نهاية له لأن الله قد استثنى من الخلود في آية أخرى. والحق سبحانه وتعالى بعد أن شرح حكم القتل العمد والقتل الخطأ، بحث العلماء ووجدوا أن هناك قتلا اسمه " شبه العمد " أي أنه لا عمد ولا خطأ، كأن يأتي إنسان إنسانا آخر ويضربه بآلة لا تقتل عادة فيموت مقتولا، وهنا يكون العمد موجودا، فالضارب يضرب، ويمسك بآلة ويضرب بها، وصادف أن تقتل الآلة التي لا تقتل غالبا، وقال العلماء: القتل معه لا به، فلا قصاص، ولكن فيه دية.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١١٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١١٠٠