تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذن فالمسألة يجب أن تكون واضحة لاستقبال أقضية الحق وهي أقضية لا تنقض نواميس الله في الكون. وبعد ذلك يريد الحق أن يشيع التعاطف بين الناس، فإذا قال أهل القتيل لأهل القاتل: نحن لا نريد دية، لأن مصيبتكم في القتيل مثل مصيبتنا فيه، وكلنا إخوة فما الذي يجري في المجتمع؟. الذي يحدث من النفع هو أضعاف أضعاف ما تؤدية الدية، إذن فهذا تربيب للدية، فساعة يعرف الطفل في العائلة أنه كان مطلوبا منهم دية لأن أباه قد قتل، وعفا أهل القتيل فلم يأخذوا الدية، هذا الطفل سيعرف عندما يشب ويعقل الأمور أن كل خير عند أسرته ناتج من هذا العفو وهذه العفة، فيحدث الود. إذن فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يربب إشاعة المودة والصفاء والنفعية. فإذا ما حزن واحد لفقدان إنسان بالقتل الخطأ قد يأخذ الدية فينتفع، وإن لم يأخذها فهو ينتفع أكثر لذلك يقول الحق: ﴿ ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا.. ﴾ [النساء: 92]. وهذا ما يحدث إذا ما قتل مؤمن مؤمنا خطأ في بيئة إيمانية، ولكن ما الذي يحدث عندما يتم قتل مؤمن لواحد من قوم أعداء والمقتول مؤمن ويعيش بين الكفار؟. ها نحن أولاء نرى عدالة التشريع الإلهي، وحتى نزداد يقينا بأن الله هو رب الجميع لذلك قال الحق: ﴿ فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن.. ﴾ [النساء: 92] أي كان المقتول من قوم في حالة عداء مع المسلمين فهو لا يستحق الدية لأنه يحيا في قوم كافرين. هكذا نجد التشريع هنا قد شرع لثلاث حالات: شرع لواحد في البيئة الإيمانية، وشرع لواحد مؤمن في قوم هم أعداء للمؤمنين، وشرع لواحد قد قتل وهو من قوم متحالفين مع المسلمين. وكل واحدة لها حكم، والحكم في حالة أن يكون القتيل من قوم بينهم وبين المسلمين عداء وهو مؤمن، فتحرير رقبة مؤمنة، وذلك للتعويض الإيماني فينطلق عبد كان محدود الحركة لأن هناك من مات وانتهت حركته، وفي هذا تعويض للمجتمع عندما تشيع حركة العبد. وماذا نفعل في الدية؟ لا يأخذون الدية لأن الدية موروثة، وهم من الكفار وليس بين الكفار والمسلمين توارث أي فليس هنا دية. وعندما ننظر إلى قول الحق: ﴿ فإن كان من قوم عدو لكم.. ﴾ [النساء: 92] نجد أن كلمة " عدو " مفردة في ذاتها، ولكنها تشمل كل القوم، وفي اللغة نقول: " هو عدو " و " هما عدو " و " هم عدو " وإن تنوعت عداوتهم فهم أعداء، ولكن عندما يتحد مصدر العداء فهم عدو واحد. والحق يقول: { فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة.

. } [النساء: 92] ولم يورد سبحانه هنا الدية لأن القوم على عداء للإسلام فلا دية لهم لأنه لا توارث. ويقول الحق: ﴿ وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة.. ﴾ [النساء: 92] فإذا أعطى المسلمون قوما عهدا من العهود فلا بد من الوفاء. هذا الوفاء يقتضي تسليم دية لأهله لأن هذا احترام للعهد، وإلا فما الفارق بيننا وبينهم. والدية - كما نعلم - تدفعها العاقلة، ويقول الحق في بيان حق الله في أمر القتل الخطأ: ﴿ وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله.. ﴾ [النساء: 92] أي فمن لم يجد الرقبة أو لم يتسع ماله لشرائها فصيام الشهرين، بكل أيامهما، فلا يفصل بينهما إلا فاصل معذر كأن يكون القاتل - دون قصد - على مرض أو على سفر. وبمجرد أن ينتهي المرض أو السفر فعليه استكمال الصوم. ولماذا هذا التتابع الحكمي؟. لأن الله سبحانه وتعالى يريد أن يجعل هذه المسألة شاغلة لذهن القاتل، وما دامت تشغل ذهنه فالصيام لا بد أن يكون متتابعا، فلو لم يكن الصيام متتابعا لأصابت القاتل غفلة. ﴿ فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله.. ﴾ [النساء: 92]. ولماذا قال الحق: ﴿ توبة من الله.. ﴾ [النساء: 92]؟. والتوبة - كما نعرف - قد تكون من العبد فنقول: " تاب العبد ". وقد تسند التوبة إلى الحق فيقال: " تاب الله عليه " ومراحل التوبة ثلاث: حين يشرع الله التوبة نقول: تاب الله على العباد فشرع لهم التوبة فلا أحد يتوب إلا من باطن أن الله شرع التوبة لأنه لو لم يشرع الله التوبة لتراكمت على العباد الذنوب والخطايا. وتشريع التوبة هو تضييق شديد لنوازع الشر، فلو لم يشرع الله التوبة لكان كل من ارتكب ذنبا يعيث في الأرض بالفساد، فحين شرع الله التوبة عصم المجتمع من الأشرار. فلأنه شرع التوبة، فهو - سبحانه - يتوب، هذه هي المرحلة الأولى. وما دام الله قد شرع التوبة فالمذنب يتوب، هذه هي المرحلة الثانية، وساعة شرع الله التوبة ويتوب المذنب فالله يقبل التوبة، هذه هي المرحلة الثالثة. وهكذا نرى دقة القرآن حين قال:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٠٩٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٠٩٧