إذن فالانفعال يحدث على مقدار النفعية، ولذلك قد نجدها على صديق أكثر مما نجدها على شقيق. وقالوا: من أحب إليك، أخوك أم صديقك؟. قال: النافع. إذن تلقى خبر انتهاء الحياة يكون مختلفا، فالحزن عليه والأسف لفراقه إنما يكون على قدر إشاعة نفعه في المجتمع. وهناك واحد يكون وطنه أسرته يعمل على قدر نفعها، وواحد يكون وطنه عائلته وقريته، وواحد وطنه أمته. وواحد وطنه العالم كله. إذن فعندما يفجع المجتمع في واحد فالهزة تأتي على قدر وطنه، وعندما يفاجأ الناس بواحد يقتل عن طريق الخطأ فالفاعل معذور. ولكن عذره لم يمنع أن تعدى فعله وأن الآخر قد قتل؟. فالأثر قد حصل، وتحدث الهزة للأقرب له في الانتفاع، ولأن القتل خطأ فلن يتم القصاص من القاتل، ولكن عليه أن يدفع دية، وهذه الدية توزع على الناس الذين تأثروا بفقدان حياته لأن هناك قاعدة تقول: " بسط النفع وقبض الضر ". إنك ساعة ترى شيئا سينفعك فإن النفس تنبسط، وعندما ترى شيئا سيضرك فإن النفس تنقبض. وعندما يأتي للإنسان خبر موت عزيز عليه فإن نفسه تنقبض، وساعة يأتيه من بعد ذلك خير وهو حصوله على جزء من دية القتيل فالنفس تنبسط، وبذلك يتم علاج الأثر الحادث عن القتل الخطأ. والدية بحكم الشرع تأتي من العاقلة، وبشرط ألا تؤخذ من الأصول والفروع، فلا تجتمع عليهم مصيبة فقد إنسان على يد أحد من أصولهم أو فروعهم وهم بذلك يفزعون فلا يجمع عليهم هذا الأمر مع المشاركة في الدية. كأن التشريع أراد أن يعالج الهزة التي صنعها انحراف بعلاج هو وقاية من رد الفعل فيحقق التوازن في المجتمع. فمن يقتل خطأ لا يقتص منه المجتمع ولكن هناك الدية. ومن أجل إشاعة المسئولية فالقاتل لا يدفعها، ولكن تدفعها العاقلة لأن العاقلة إذا ما علمت أن من يجني من أهلها جناية وأنها ستتحمل معه فإنها تعلم أفرادها في صيانة حقوق غيرهم لأن كل واحد منها سيدفع، وبذلك يحدث التوازن في المجتمع. والحق سبحانه وتعالى يعلمنا أن نستبعد أن يقتل مؤمن مؤمنا إلا عن خطأ، فلا يستقيم أن يحدث ذلك عمدا فيقول: ﴿ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا.. ﴾ [النساء: 92] ومعنى هذا أن مثل هذا القتل لا يصح أن يحدث عن قصد لأن اللحمة - بضم اللام - الإيمانية تمنع هذا.
لكن إن حدث هذا فما العلاج؟ ﴿ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله.. ﴾ [النساء: 92]. ولا يذكر سبحانه هنا القصاص، فالقصاص قد تقدم في سورة البقرة في قوله تعالى:
كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى..
[البقرة: 178]. والقصاص حق الولي فله أن يعفو أو أن يأخذ الدية، كأن يقول: عفوت عن القصاص إلى الدية. ويجب أن نفرق بين الحد وبين القصاص. فالقصاص حق الولي، والحد حق الله. وللولي أن يتنازل في القصاص، أما الحدود فلا يقدر أحد أن يتنازل عنها، لأنها ليست حقا لأحد ولكنها حق الله. إذن فالقتل الخطأ قال فيه: ﴿ فتحرير رقبة مؤمنة.. ﴾ [النساء: 92] وهنا قد نسأل: وماذا يستفيد أهل المجنى عليه بالقتل من تحرير رقبة مؤمنة؟. هل يعود ذلك على أهل القتيل ببسط في النفعية؟. قد لا تفيدهم في شيء، لكنها تفيد المجتمع لأن مملوك الرقبة وهو العبد أو الأمة هو مملوك لسيده، والسيد يملك حركة العبد، ولكن عندما يكون العبد حرا فهو حر الحركة فحركة العبد مع السيد محدودة، وفي حريته حركة مفيدة للمجتمع. إذن فالقبض الذي حدث من قتل نفس مؤمنة يقابلها بسط في حرية واحد كان محكوما في حركته فنقول له: انطلق في حركتك لتخدم كل مجتمعك. ويريد الحق بذلك أن يفتح مصرفا لحرية الأرقاء ضمن المصارف الكثيرة التي جعلها الإسلام لذلك. وبعد هذا القول ﴿ ودية مسلمة إلى أهله.. ﴾ [النساء: 92] لكي تصنع البسط في نفوس أهله ليعقب القبض نتيجة خبر القتل. ولذلك نجد أسرة قد فجعت في أحد أفرادها بحادثة وعاشوا الحزن أياما ثم يأخذون الأوراق ويصرفون بها الدية أو التعويض، مما يدل على أن في ذلك شيئا من السلوى وشيئا من التعزية وشيئا من التعويض، ولو كانت المسألة مزهودا فيها لقالوا: " نحن لا نريد ذلك " ، ولكن ذلك لا يحدث. وبعد ذلك نجد الذي فقد حياة حبيب لا يظل في حالة حزن ليفقد حياة نفسه، ففي الواقع يكون الحزن من الحزين على نفسه بمقدار ما فات عليه من نفع عندما قتل له القتيل، والحزين إنما حزن لأن القتيل كان يثري حياته، فلما مات صارت حياة النفع منه بلا إثراء. ولو رأينا إنسانا يحزن لفقد واحد وقلنا له: احتفظ بجثمانه لمدة أسبوع لترتوي من أشواقك إليه، وبعد ذلك نأخذه منك لندفنه أيرضى؟. لن يرضى أبدا بذلك. أو نقول للحزين: " لن نقدم لك طعاما لمدة أسبوع لأنك في حالة حزن هنا لن يوافق الحزين " ، وزوجة الفقيد تذرف عيناها الدمع وتبكي عليه لكنها تأكل وتشرب.