تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم

[التوبة: 118]. وبعد أن يتوبوا فإن الله يقبل التوبة عن عباده. إذن فالتوبة الأولى من الله تشريع. والتوبة الثانية من الله قبول، والوسط بينهما هي توبة الإنسان. ويذيل الحق الآية: ﴿ توبة من الله وكان الله عليما حكيما ﴾ [النساء: 92] فسبحانه يشرع التشريع الذي يجعل النفوس تحيا في مناخ طبيعي وفي تكوينها الطبيعي، فلو تصورنا أن إنسانا قد قتل خطأ وتركنا أهل المقتول بلا ترضية فلن يستفيد المجتمع الإيماني من قتله.

إذن فالعلم من الله بالنفس البشرية جعل من قتل خطا يفيد المجتمع الإيماني بتحرير رقبة، فيزيد المجتمع إنسانا حرا يتحرك حركة إيمانية لذلك اشترط الحق أن تكون الرقبة مؤمنة، حتى نضمن أن تكون الحركة في الخير، فنحن لا نحرر رقبة كافرة لأن الرقبة الكافرة عندما تكون مملوكة لسيد فشرها محصور، لكن لو أطلقناها لكان شرها عاما. وبعد تحرير الرقبة هناك الدية لننثرها على كل مفزع في منفعته فيمن قتل، ولا نأخذها من أصول القاتل وفروعه، فلا نجمع عليهم مصيبتين القتل الذي قام به أصلهم أو فرعهم لأن ذلك - لا شك - سيصيبهم بالفزع والخوف والاشفاق على من جنى منهم. وأن يشتركوا في تحمل الدية. وذلك العمل ناشىء عن حكمة. فإذا كان الذي يضع الأشياء في موضعها هو خالقها، فلن يوجد أفضل من ذلك لتستقيم الأمور. وفي المجال البشرى نجد أن أي آلة من الآلات - على سبيل المثال - مكونة من خمسين قطعة، وكل قطعة ترتبط بالأخرى بمسامير أو غير ذلك، وما دامت كل قطعة في مكانها فالآلة تسير سيرا حسنا، أما إذا توقفت الآلة فإننا نستدعي المهندس ليضع كل قطعة في مكانها، وكل شيء حين يكون في موضعه فالآلة تمشي باستقامة، وكل حركة في الوجود مبنية على الحكمة لا ينشأ فيها فساد فالفساد إنما ينشأ من حركات تحدث بدون أن تكون على حكمة. والحكمة مقولة بالتشكيك، فهناك حكيم وهناك أحكم. وقديما - على سبيل المثال - كنا نرى الأسلاك الكهربائية دون عوازل فكان يحدث منها " ماس " كهربائي. وعندما اكتشفنا العوازل استخدمناها وعدلنا من تصنيعنا للأشياء. وكنا نجد الأسلاك في السيارة - مثلا - ذات لون وحجم واحد، فكان يحدث الارتباك عند الإصلاح، لكن عندما تمت صناعة كل سلك بلون معين، فسهل هذا عملية الإصلاح. فالحكمة هي وضع الشيء في موضعه، فما بالنا حين يكون من يضع الشيء في موضعه هو خالقنا؟ لن نجد أفضل ولا أحسن من ذلك. فإذا ما رأينا خللا في المجتمع فلنعلم أن هناك شيئا قد ناقض حكمة الله. وعندما نبحث عن العطب سوف نجده، تماما مثلما تبحث عن العطب في أي آلة وتأتي لها بالمهندس الذي يصلحها. ويجب أن نرده إلى من خلق المجتمع، ونبحث عن علاج الخلل بحكم من أحكام الله. ولذلك أرشدنا الحق إلى أننا إن اختلفنا في شيء فلنرده إلى الله وإلى الرسول حتى لا نظل في تعب. وبعد ذلك يتكلم الحق عن القتل العمد، وقد يقول قائل: أما كان يجب أن يحدثنا الله عن القتل العمد أولا؟ ونقول: الحق لو تكلم عن القتل العمد أولا لكان ذلك موحيا أنه يحدث أولا، ولكن الحق يوضح: لا يصح أن تأتي هذه على خيال المؤمن. ويسأل سائل: لماذا لم يقل الحق: " وما كان لمسلم ". ونقول: يجب أن ننتبه إلى أن الحق نادى المؤمن لأن الإيمان عمل قلبي، ولهذا كان النداء للمؤمنين ولم يكن النداء للمسلمين لأن الإسلام أمر ظاهري، فقد يقتل إنسان يتظاهر بالإسلام إنسانا مؤمنا. لهذا نادى الحق بالنداء الذي يشمل المظهر والجوهر وهو الإيمان. وحين يشرع الحق فلا بد أن يأتي بالجزاء والعقاب للذي يقتل عمدا. وهو يقول: ﴿ ومن يقتل مؤمنا متعمدا... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٠٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٠٩٨