تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

. } [النساء: 89] وما دام هذا هو هدفهم وفكرتهم ألا يتركوا المؤمنين على إيمانهم، لأجل أن يأخذوهم إلى صف الكفر. وهم بذلك كمنافقين كفار قلوب غير مخلصين لصف الإيمان. وهم لا يقفون من الإيمان موقف الحياد، ولكنهم يقفون منه موقف العناد والعداوة. ﴿ ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سوآء.. ﴾ [النساء: 89] وفي هذا تحذير واضح للمؤمنين هو: إياكم أن تأمنوهم على شيء يتعلق بمصالحكم وإيمانكم. ويصدر الحق الحكم في هذه القضية بمنتهى الوضوح: ﴿ فلا تتخذوا منهم أوليآء.. ﴾ [النساء: 89] أي إياكم أن تتخذوا من المنافقين نصراء لكم أو أهل مشورة لأن الله سبحانه فضح لكم دخائل نفوسهم، وهذه المسألة ليست ضربة لازب، فإن آب الواحد منهم وأناب ورجع إلى حظيرة الإيمان فلن يرده الله، فسبحانه وتعالى لا يضطهد أحدا لمجرد أنه ارتكب الذنب لأنه الحق غفور ورحيم، فما دام قد عاد الإنسان إلى الصواب وبعد عن الخطأ، فعلى المؤمنين أن يقبلوا من يعود إليهم بإخلاص، فالكراهية لا تنعقد ضد أحد لأنه أخطأ لأن الكراهية تكون للعمل الخطأ، وليست موجهة ضد الإنسان المخلوق لله، فإن أقلعوا عن الخطأ فهم مقبولون من المؤمنين. وها هو ذا قاتل زيد بن الخطاب يمر أمام عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وقال له بعض الناس ها هو ذا قاتل أخيك زيد. فيقول عمر بن الخطاب: وماذا أفعل به وقد هداه الله للإسلام؟! وهكذا نرى أن الكراهية لم تتعد إلى ذات القاتل، ولكن الكره يكون للفعل، فإن أقلعت الذات عن الفعل فالذات لها مكانتها. وهكذا يصدر الحكم الرباني: ﴿ فلا تتخذوا منهم أوليآء حتى يهاجروا في سبيل الله.. ﴾ [النساء: 89]. والهجرة في سبيل الله كانت تكلف الإنسان أن يخرج من ماله ومن وطنه ومن أهله، ويذهب إلى حياة التقشف والتعب والمشقة، وفي هذا ما يكفر عنه، ويتعرف المؤمنون هنا أنه قد تاب إلى الله فتاب الله عليه وآن له الأوان أن يدخل في حوزة الإيمان. فإن فعل ذلك فقد عاد إلى الإيمان. ولذلك يجب على الناس أن يفصلوا الذوات عن الأفعال. لماذا؟ لأن الذوات في ذاتها لا تستحق أن تكره، وإنما يكره فعل الذات إن كان قبيحا سيئا. وحين نقرأ القرآن نجده يعرض مثل هذه المسألة، فسيدنا نوح عليه السلام عندما تلقى وحي الله بأن يصنع السفينة، وجلس يصنعها ويمر عليه الناس فيسخرون منه فيقول لهم سيدنا نوح: سنسخر منكم غدا كما تسخرون منا. ويأتي له ابن ليس على منهجه، فيدعوه نوح إلى المنهج فيقول الابن: " لا ". ويركب نوح السفينة ويقول لله: لقد وعدتني أن تنجيني أنا وأهلي.

وهنا يوضح الحق: صحيح أنا أنجيك أنت وأهلك، ولكن ما الذي جعلك تعتبر ابنك من أهلك، إن الذوات عند الأنبياء لا نسب لها، إنما نسب الأنبياء الأعمال:

إنه عمل غير صالح..

[هود: 46]. إن العمل هو الذي يتم تقييمه. ولذلك يقول الحق: ﴿ فلا تتخذوا منهم أوليآء حتى يهاجروا في سبيل الله.. ﴾ [النساء: 89] والهجرة من " هجر " ، و " هجر " يعني أن الإنسان قد عدل من مكان إلى مكان، أو عن ود إلى ود، أو عن خصلة إلى خصلة، والذي يهجر عادة يتجنى على من " هجر " ، لنلاحظ أن الله سبحانه وتعالى في كتابه عندما يأتي بالحدث. يأتي ب " هاجر " ، ولم يأت بالحادث " هجر " ، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يهجر مكة. ولكنه هاجر منها، ويقول صلى الله عليه وسلم:

" والله إنك لأحب أرض الله إلي وإنك لأحب أرض الله إلى الله ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت ".

فالهجرة جاءت لأن أهل مكة هجروه أولا، فاضطر أن يهاجر. و " هاجر " على وزن " فاعل ". والمتنبي يقول:

إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا

ألا تفارقهم فالراحلون همو

ولذلك جاء الحق بالهجرة على صيغة المفاعلة. لقد كرهوا دعوته. واستجاب الرسول للكراهية فهاجر. ويوضح سبحانه أن الذي يخلص هؤلاء المنافقين من حكمنا عليهم، ألا يتخذ المؤمنون منهم أولياء هو: أن يهاجروا في سبيل الله لأن ذلك هو حيثية صدق الإيمان. فالمهاجر يحيا عيشة صعبة. وقد عاش المهاجرون على فيض الله من خير الأنصار، ولم يؤسسوا حياتهم بشكل لائق. إذن فمن ينضم إلى ذلك الموكب هو مؤمن اشترى الإيمان وقدر على أن يكفر عما بدر منه. فليست الهجرة مجرد هجرة، ولكنها هجرة في سبيل الله. ولذلك نرى القاعدة الإيمانية في الحديث النبوي:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٠٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٠٩٠