. } [النساء: 88]؟ وسبحانه لا يريد أن يقدم لهم العذر، إنما يريد أن يظهر لهم هدايته سبحانه وهي هداية لا تتأتى لهم لأنه قد أضلهم فأنى لهم الهداية. فلماذا يقف جانب من المؤمنين في صفهم؟. لأن الله حين يهدي فهو يهدي من يشاء ويضل من يشاء بوضع القوانين الموضحة للهداية أو الضلال. ونحن إن سمعنا " أن الله هدى " نفهمها على معنيين المعنى الأول أنه " دل " ، والمعنى الثاني أنه " أعان ومكن ". ف " هدى " تكون بمعنى " دل " ، وهدى تكون بمعنى " أعان ". وسبق أن قلنا: إذا كان هناك إنسان يمشي في الطريق ويريد الاتجاه إلى الإسكندرية وهو لا يعرف الطريق الموصل. فيسأل شرطي المرور فيشير الشرطي: هذا هو الطريق الموصل إلى الإسكندرية. إن الشرطي هدى هذا الإنسان ودله على الطريق، لكنه لم يحمل الإنسان على أن يسير في الطريق، فإذا ما صدق المسافر قول الشرطي وقال له: إنني أشكرك وأكثر الله من خيرك والحمد لله أنني وجدتك، فلولا وجودك لتعبت، هنا يقول الشرطي: أنت رجل طيب والطريق إلى الإسكندرية به " مطب " وعقبة، سأركب معك حتى أدلك على مكان هذه العقبة. وبذلك يتجاوز الشرطي مرحلة " الدلالة " إلى مرحلة " المعونة " وسبحانه أوضح: سأهدي الناس جميعا وأرشدهم وأدلهم، فالذي يقبل على الإيمان بي سأعاونه على ذلك. ولذلك يقول:
وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى..
[فصلت: 17]. و " هديناهم " هنا بمعن " دللناهم " فقط، أما أن يسلكوا سبل الهداية أو لا فالأمر متروك لهم. والهداية - إذن - ترد بمعنى الدلالة، وترد بمعنى الإعانة. والحق يعين من؟. يعين من آمن به ولكن من يكفر به لا يعينه:
والله لا يهدي القوم الكافرين
[التوبة: 37]. وكذلك:
والله لا يهدي القوم الفاسقين
[التوبة: 24]. إذن فلله هدايتان: هداية عم الناس بها جميعا وهي هداية الدلالة، وأخرى خص بها من جاءه مؤمنا به، وهي هداية " المعونة ". ولذلك قال الحق للرسول صلى الله عليه وسلم:
إنك لا تهدي من أحببت..
[القصص: 56]. وهذا القول فيه نفي الهداية عن الرسول، وهو سبحانه القائل أيضا:
وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم
[الشورى: 52]. وليس من المعقول أن ينفي الحق الهداية عن الرسول ثم يثبتها له. ونفهم من ذلك: إنك يا رسول الله تدل على الحق، ولكنك لا تعين عليه. فالله هدى الناس جميعا فدلهم على طريق الخير. فمن آمن به وأقبل عليه يسر له الأمر. وبذلك نكون قد عرفنا تماما معنى قوله الحق: ﴿ والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا ﴾ [النساء: 88] فالذي يضله الله هو من اكتسب ما يوجب أن يضله فلا تجد له سبيلا.
وكان من الممكن أن يقول الله: أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلا تستطيعون أن تهدوه، ولكن الأبلغ هو ما يوضحه سبحانه لنا: أنتم لا تستطيعون هداية هذا المكتسب للضلال ذلك أنه لا يوجد سبيل حتى تهدوه إليه. فالسبيل هو الممتنع وليس الهداية فقط. والسبيل هو الطريق الذي يعطيك حقا في الهداية، فإذا ما امتنع السبيل فماذا تفعل؟ ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا في أن ينقض هذا القرار، أي لا حجة له على الإطلاق. ولذلك أخذنا المعنيين هنا، فالذين ينافقون يظهرون الإيمان مرة وينقلبون إلى الكفر مرة، هم ينكرون الإيمان بقلوبهم والذي يقولون بألسنتهم هو الإسلام، أما الإيمان فلما يدخل في قلوبهم. وما هو الأعز على النفس البشرية؟ مكنونات القلب أم مقولة اللسان؟ الأعز هو مكنونات القلب. وما داموا هم لا يؤمنون بقلوبهم ويقولون فقط بألسنتهم، فالعقيدة داخلهم معقودة على الكفر، وما دامت العقيدة معقودة على الكفر فهم لا يريدون أن يأتوا إلى صف الإيمان، ولكنهم يريدون جر المؤمنين إلى معسكر الكفر لذلك يقول الحق بعد ذلك: ﴿ ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون... ﴾.