تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير

[الملك: 14]. فالذي صنع الكرسي - ولله المثل الأعلى - ألا يعرف أن الكرسي مصنوع من الخشب، ونوع الخشب " زان " أو " أرو " أو " مجنة " ، وأن المسمار الذي يربط الجزء بالجزء إما مسمار صلب وإما من معدن آخر، وكذلك يعلم صانع الكرسي أي صنف من الغراء استعمل في لصق أجزاء الكرسي، وكذلك مواد الدهان التي تم دهن الكرسي بها. إذن فقول الحق: ﴿ ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ﴾ لا يحتاج إلى جدال ولذلك نجد النجار الذي يرغب أن تكون صنعته مكشوفة واضحة يقول للمشتري: سوف أصنع كل الكرسي من خشب الزان وعليك أن تمر يوميا لترى مراحل فعله. ويبدأ صناعة الكرسي مرحلة مرحلة تحت إشراف الزبون. وكذلك يعرف البدوي كيف يتكون الرحل. وهو ما يوضع على ظهر البعير للركوب، العربي يعرف كيف يتكون الفسطاط وهو بيت يتخذ من الشعر. وقد جاء سبحانه بما يدحض أي جدل، وبدون الدخول في أية مهاترات أو مناقشات لها مقدمات ونتائج ومقدم وتال. جاء الحق بهذا القول الفصل:

ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير

[الملك: 14]. هو يعلم وهذا أمر سهل عليه، ولذلك أتعجب كيف أدخل هؤلاء العلماء هذه المسألة في متاهة فلسفية، فالإسلام دين الفطرة. ولذلك نجد العلماء الذين ناقشوا هذه المسألة - جزاهم الله خيرا - جاءوا في آخر مطافهم، وقالوا:

نهاية إقدام العقول عقال

وأكثر سعي العالمين ضلال

ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا

سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا

وأنا أريد أن أعرف ماذا قدمت الفلسفة النظرية للدنيا من خير؟. لقد انفصلت عنها الفلسفة المادية ودخلت المعمل وأخرجوا لنا الابتكارات التي انتفع بها الخلق، فماذا فعلت الفلسفة النظرية؟. لا شيء. ونقول: جاء الإسلام بالعقيدة الفطرية، ومعنى العقيدة الفطرية أن الناس فيها سواء، فالأدلة العقلية تقتضي الوضوح لمن تعلم ولمن لم يتعلم. والفلاسفة هم الذين قالوا: بأدلة الغاية وأدلة العناية وأدلة القصد. لكن البدوي الذي سار في الصحراء وجد بعر البعير ووجد الرمل وعليه أثر قدم، فقال: إذا كانت البعرة تدل على البعير والقدم تدل على المسير أفلا يدل كل ذلك على اللطيف الخبير؟. هو لم يدخل في فلسفة أو متاهة مثلما دخل الفلاسفة مع بعضهم في متاهات عقلية وحلها البدوي في جملة واحدة. وكذلك نجد واحدا من الناس يسأل واحدا من أهل الإشراق: ألا تشتاق إلى الله؟. فيقول له: إنما يشتاق إلى غائب، ومتى غاب الله حتى يشتاق إليه؟! لذلك نقول لمن اختلفوا في أمر رد الله لهؤلاء: نريد أن نكرم عقولكم وننظر لماذا اختلفتم في هذه الحكاية ﴿ أركسهم بما كسبوا.. ﴾ [النساء: 88].

نقول مع حسن الظن بهم، إن كل واحد منهم تعصب لصفة من صفات الحق، فواحد منهم يقول: ﴿ الله خالق كل شيء ﴾ فنقول له: أنت قد تعصبت لصفة القدرة وطلاقتها في الحق. وجاء ثان وقال: ولكن الله عادل. ولا يمكن أن يخلق في الكافر كفره ثم يعذبه عليه. إنه متعصب لصفة العدل. وكل منهما ذاهب إلى صفة واحدة من صفات الحق. وتناسى الإثنان أن هذه الصفات إنما هي لذاته - تعالى - فسبحانه قادر وعادل معا. فلا هذه تفلت منه ولا تلك. ونقول لمن يقول: إنه الله خالق كل شيء وخالق كل فعل. ما الفعل؟. الفعل هو توجيه جارحة لإحداث حدث، فالذي يمسح وجهه بيديه يوجه يديه لوجهه حتى يمسحه، وهذ الفعل لا يفعله صاحب الفعل، ودليلنا على ذلك الإنسان الآلي نضغط على أكثر من زر ليتحقق هذا الفعل، هذا الإنسان الآلي حتى يتحرك حركة واحدة لا بد من ضغط وتحريك عدد آخر من القوى، لكن الإنسان حتى يمسح وجهه بيديه اكتفى بأنه بمجرد أن أراد مسح الوجه باليد مسح الوجه. فهل أمسك من يمسح وجهه بشيء وضغط عليه ليمسح وجهه؟. إنه بمجرد أن أراد فعل. وسائق جرافة التراب يحرك عددا من الأذرع الحديدية حتى يحرك الجرافة إلى أسفل، ثم حركة أخرى ليفتح كباشة التراب، وحركة تقبض أسنان الكباشة وحركة أخرى ترفع التراب، كل ذلك من أجل أن يرفع التراب من مكان ما إلى مكان آخر، والواحد منا بمجرد أن يريد أن يمسح وجهه فهو يمسح وجهه ولا يعرف أي عضلات تحركت، فمن الذي فعل كل ذلك؟. إنه الله. فيا من تتعصب لصفة القدرة. فالله هو الذي فعل والعبد هو الذي وجه الطاقة التي تنفعل بالله. فإذا كانت إلى غير مراد الله يصير العبد عاصيا، وإن وجهها إلى مراد الله فيكون طائعا، ويكون له الكسب فقط، فالذي يقتل واحدا، هو لم يقتله لأنه لم يقل له: " كن قتيلا " فيكون قتيلا، ولكن القاتل يأتي بسكين أو سيف أو مسدس ويرتكب فعل القتل. فأداة القتل هي التي قامت بالفعل، والقاتل إنما أخذ الآلة الصالحة لفعل ما ولغيره، فوجهها لذلك الفعل. فيا من تريد العدل، إن الله يعذب على المعصية لأن الإنسان استعمل أداة مخلوقة للفعل ولعدمه، فجعلها تؤدي فعلا غير مراد لله أي لا يرضى عنه الله ولا يحبه، ومع ذلك فالله هو الفاعل لكل شيء. ونعود إلى الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا.. ﴾ [النساء: 88] وما دام هو سبحانه الذي أركسهم بما كسبوا، وأنتم مؤمنون بالله فلا بد أن يكون الرأي فيهم واحدا لذلك يتساءل الحق: { أتريدون أن تهدوا من أضل الله.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٠٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٠٨٧