مثلما نقول: " إن فلانا غمت نفسه عليه " أو " فلان يرجع ما في بطنه ". وعندما ننظر إلى هذه العملية نجد أن الطعام الذي يشتهيه الإنسان ويحبه ويقبل عليه ويأكله بلذة، وتنظر عيونه إليه باشتهاء، ويده تقطع الطعام بلذة ويمضغ الطعام بلذة، هذا الطعام بمجرد مضغة مع بعضه ينزل في المعدة وتضاف إليه العصارات المهضمه، فإذا رجع فإنه في هذه الحالة يكون غير مقبول الرائحة، بل إن الإنسان لو هضم الطعام وأخذ منه المفيد وأخرج البافي بعد ذلك، فرائحة الفضلات الطبيعية ليست أسوأ من رائحة الطعام لو رجع بدون تمثيل. فلو رأيت إنسانا يقضي حاجة وآخر يتقيأ الطعام، فالنفس تتقزز من الذي يتقيأ أكثر مما تتقزز من الذي يقضي حاجته لأن " الترجيع " يخرج طعاما خرج من شهوة المضغ والاستمتاع. ولم يصل إلى مسألة التمثيل. ولذلك نسمع المثل " كل ما فات اللسان صار نتان ". و " الركس " هو الرجيع الذي يرجعه الإنسان بعد الطعام قبل أن يتمثله. فالطعام بعد أن يتمثل ويخرج من المكان المخصص له يصبح روثا، وغائطا وبرازا. والحق سبحانه وتعالى قد جاء بالكلمة التي تصفهم: ﴿ والله أركسهم.. ﴾ [النساء: 88] أي أنهم ارتدوا من قبل أن ينتفعوا بأي شيء من الإيمان. هذا هو التعبير القرآني الذي جاء بالعبارة التي تؤدي هذا المعنى، وتؤدي إلى نفرتنا منهم، فيكون الإركاس هو الرد، وهل هو مطلق الرد، أو رد له كيفية؟ هو رد بإهانة أيضا، كيف؟ لأن الشيء إن كان قوامه أن يقف رأسيا، يكون الركس أن تجعل رأسه في مكان قدمه وقدمه في مكان رأسه. وعلى ذلك فالرد ليس ردا عاديا بل إنه رد جعل المردود هزوا. وإن كانت استقامة الأمر على الامتداد الطولي، يكون الركس بأن تأتي بما في الخلف إلى الأمام، وبما في الأمام إلى الخلف، فتقلب له كيانه، وتعكس حاله. والقرآن يصف الكافرين والمنافقين:
ثم نكسوا على رءوسهم..
[الأنبياء: 65]. لماذا، لأن الرأس مبني على القامة والهامة والارتفاع. هذا الرأس يجعل مكان القدم، والقدم يكون محل الرأس. إذن فقوله: ﴿ والله أركسهم.. ﴾ [النساء: 88] أي لم يردهم مطلق الرد، بل ردهم ردا مهينا، ردا يقلب أوضاعهم. ﴿ والله أركسهم بما كسبوا.. ﴾ [النساء: 88] إذن فلا يقولن أحد: ما دام الله قد أركسهم فما ذنبهم؟ إن الله قد أركسهم ﴿ بما كسبوا.. ﴾ [النساء: 88]، فهم كانوا فاعلين لا منفعلين. وإليكم هذا المثل - ولله المثل الأعلى - حين تضع المدرسة أو الجامعة درجات للنجاح في كل مادة. تجد مادة يجب أن يحصل الطالب فيها على نسبة ستين في المائة. وأخرى على سبعين في المائة، ويدخل التلاميذ الامتحان، وعندما يرسب أحدهم لا يقال: إن المدرسة قد جعلته يرسب، صحيح هي أرسبته ولكن وفق القوانين التي وضعتها المدرسة أو الجامعة من قبل أن يدخل التلميذ الامتحان، ولأنه لم يبذل الجهد الكافي للنجاح، فقد أرسب نفسه.
إذن، فالله لم يأت بالركس ورماه عليهم. بل هم الذين كسبوا كسبا جعل قضية السنة الكونية هي التي تؤدي بهم إلى الركس، مثلهم مثل التلميذ الذي لم يستذكر فلم يجب في الامتحان، فلا يقال عن هذا التلميذ: إن المدرسة أرسبته. ولكنه هو الذي أرسب نفسه. ولذلك عندما يقال: الله هو الذي أضلهم، فما ذنبهم؟ هذه هي القضية التي يقول بها المسرفون على أنفسهم. ولهؤلاء نقول هذه الآية: ﴿ والله أركسهم بما كسبوا.. ﴾ [النساء: 88] وكذلك أضل الله الضالين بفعلهم، كيف؟. نحن عرفنا أن الهداية تأتي بمعنيين، هداية الدلالة وهداية المعونة، ويأتي المسرفون على أنفسهم الذين يودون أن تكون قضية الدين كاذبة - والعياذ بالله - لأن قضية الدين عندما تكون صدقا فإن الذين أسرفوا على أنفسهم يتيقنون أنهم ذاهبون إلى داهية وأمر منكر شاق عليهم لذلك نجد الواحد منهم يتمحك في محاولة عدم التصديق، والدخول إلى متاهات يصنعها الفهم السطحي للدين. ولذلك نجد المناقشات التي يناقشونها تدل على أنها مناقشات المسرف على نفسه، فيقول الواحد منهم: ما دام الله هو الذي كتب علي كل شيء فلماذا يعذبني وهو الذي كتب علي المعاصي؟ نقول له: لماذا آمنت في هذا الموقف بالذات أن الله هو الذي كتب؟ وما دمت قد آمنت بأن الله هو الذي كتب فلماذا لا تؤمن به وترتضي أحكام منهجه؟. ولكن الواحد منهم يحاول أن يقف وقفة ليست عقلية، فالوقفة العقلية الصحيحة تقتضي أن تأتي بالقضية المقابلة وهي أن الله إذا كان قد كتب على العبد الطاعة فلماذا يثيبه؟. لماذا تناسى قضية الطاعة والثواب عليها؟ لأنه يعرف أنها القضية التي تجلب الخير، ووقف في القضية المقابلة التي تأتي بالشر، ولا يقول هذا القول إلا مسرف على نفسه. ولا نرى ملتزما بمنهج الإيمان يقول مثل هذه القضية، فالمؤمن يحب أن تسير الأمور على ضوء منهج الله، ولذلك أنا إلى الآن - وليسامحني الله وليغفر لي - أتعجب من أن العلماء الذين سبقونا جعلوا من هذه المسألة محل خلاف. وقالوا: معتزلة وأهل سنة !!. المسألة كلها يجب أن تفهم على أساس أن الإسلام دين فطرة ولم يأت للفلاسفة فقط، إنه جاء للعقل الفطري، وراعى الشاة في الإسلام كالفيلسوف، ومن يكنس الشارع أو يمسح الأحذية مساو لمن درس الفلسفة أو الحقوق لأن الإيمان لم يأت لطائفة خاصة، ولكن المنهج قد جاء للجميع، ولا بد أن تكون أدلته واضحة للجميع، فعندما يقال لنا: إن الله يعلم كل شيء فيك، لا يدخل معك في متاهة، هو - سبحانه - يقول لك: