تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ".

فالمسبب للاختلاف هو أن كل واحد له هوى مختلف ولا يجمعهم هوى الدين والاعتصام بحبل الله المتين. وما حكاية المنافقين وكيف انقسم المؤمنون في شأنهم ليكونوا فئتين؟ والفئة - كما عرفنا - هي الجماعة، ولكن ليس مطلق جماعة، فلا نقول عن جماعة يسيرون في الطريق لا يجمعهم هدف ولا غاية: إنهم فئة فالفئة أو الطائفة هم جماعة من البشر تجتمع لهدف لأن معنى " فئة " أنه يرجع ويفيء بعضهم إلى بعض في الأمر الواحد الذي يجمعهم، وكذلك معنى " الطائفة " فهم يطوفون حول شيء واحد. والحق يقول: ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين.. ﴾ [النساء: 88]. هذا لفت وتنبيه من الحق بأن ننزه عقولنا أن نكون في الأمر الواحد منقسمين إلى رأيين، وخصوصا إذا ما كنا مجتمعين على إيمان بإله واحد ومنهج واحد. والمنافقون - كما نعرف - هم الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر.

إننا نعرف أن كل المعنويات يؤخذ لها أسماء من الحسيات لأن الإدراك الحسي هو أول وسيلة لإدراك القلب، وبعد ذلك تأتي المعاني. وعندما نأتي لكلمة " منافقين " نجد أنها مأخوذة من أمر حسي كان يشهده العرب في بيئتهم، حيث يعيش حيوان اسمه " اليربوع " مثله مثل الفأر والضب. واليربوع مشهور بالمكر والخداع، ولكي يأمن الحيوانات التي تهاجمه فإنه يبني لنفسه جحرين، أو جحورا متعددة، ويفر من الحيوان المهاجم إلى جحر ما، ويحاول الحيوان المهاجم أن ينتظره عند فوهة هذا الجحر، فيتركه اليربوع إلى فتحة أخرى، كأن اليربوع قد خطط وأعد لنفسه منافذ حتى يخادع، فهو يصنع فوهة يدخل فيها في الجحر، وفوهة ثانية وثالثة، وذلك حتى يخرج من أي فتحة منها، وكذلك المنافق. ونعرف أن المسائل الإيمانية أو العقدية على ثلاثة أشكال: فهناك المؤمن وهو الذي يقول بلسانه ويعتقد بقلبه وهو يحيا بملكات منسجمة تماما. وهناك الكافر وهو الذي لا يعتقد ولا يدين بالإسلام ولا يقول لسانه غير ما يعتقد، وملكاته منسجمة أيضا، وإن كان ينتظره جزاء كفره في الآخرة فملكاته منسجمة - لكن - إلى غاية ضارة، وهي غاية الكفر. أما " المنافق " فهو الذي يعتقد الكفر وينعقد عليه قلبه لكن لسانه يقول عكس ذلك، وملكاته غير منسجمة فلسانه قد قال عكس ما في قلبه لذلك يحيا موزعا وقلقا، يريد أن يأخذ خير الإيمان وخير الكفر، هذا هو المنافق. وهناك جماعة - في تاريخ الإسلام - حينما رأوا انتصار المسلمين في غزوة بدر، قالوا لأنفسهم: " الريح في جانب المسلمين، ولا نأمن أنهم بعد انتصار بدر وقتل صناديد قريش وحصولهم على كل هذه الغنائم أن يأتوا إلينا " ، هذه الجماعة حاولت النفاق وادعت الإسلام وهم بمكة، حتى إذا دخل المسلمون مكة يكونون قد حصنوا أنفسهم. أو هم جماعة ذهبوا إلى المدينة مهاجرين، ولم يصبروا على مرارة الهجرة والحياة بعيدا عن الوطن والأهل والمال، ففكروا في هذه الأمور، وأرادوا العودة عن الدين والرجوع إلى مكة، وقالوا للمؤمنين في المدينة: " نحن لنا أموال في مكة وسنذهب لاستردادها ونعود ". وبلغ المسلمون الخبر وانقسم المسلمون إلى قسمين: قسم يقول: نقاتلهم، وقسم يقول: لا نقاتلهم. الذين يقولون: " نقاتلهم " دفعهم إلى ذلك حمية الإيمان. والذين يقولون: " لا نقاتلهم " قالوا: هذه الجماعة أظهرت الإيمان، ولم نشق عن قلوبهم، وربما قالوا ذلك عطفا عليهم لصلات أو أواصر. فجاء القرآن ليحسم مسألة انقسام المسلمين إلى قسمين، ويحسم أمر الاختلاف. وعندما يأتي القرآن ليحسم فهذا معناه أن رب القرآن صنع جمهور الإيمان على عينه، وساعة يرى أي خلل فيهم فسبحانه يحسم المسألة، فقال: { فما لكم في المنافقين فئتين.

. } [النساء: 88]. والخطاب موجه للجماعة المسلمة، فقوله: ﴿ فما لكم.. ﴾ [النساء: 88] يعني أنهم متوحدون على هدف واحد، وقوله: ﴿ فئتين.. ﴾ [النساء: 88] تفيد أنهم مختلفون. إذن ف ﴿ فئتين.. ﴾ [النساء: 88] تناقض الخطاب الذي بدأه الحق ب ﴿ فما لكم.. ﴾ [النساء: 88]، كأن المطلوب من المتلقي للقرآن أن يقدر المعنى كالآتي: فما لكم افترقتم في المنافقين إلى فئتين؟ إذن فهذا أسلوب توبيخي وتهديدي ولا يصح أن يحدث مثل هذا الأمر، فهل ينصب هذا الكلام على كل المخاطبين؟ ننظر، هل القرآن مع من قال: " نقتل المنافقين " أو مع من قال بغير ذلك؟ فإن كان مع الفئة الأولى فهو لا يؤنب هذه الفئة بل يكرمها، إن القرآن مع هذه الفئة التي تدعو إلى قتال المنافقين وليس مع الفئة الثانية لذلك فهو يؤنبها، ويوبخها. والأسلوب حين يكون توبيخا لمن يرى رأيا، فهو تكريم لمن يرى الرأي المقابل، ويكون صاحب الرأي المكرم غير داخل في التوبيخ، لأن الحق أعطاه الحيثية التي ترفع رأسه. والحق يقول: ﴿ فما لكم في المنافقين.. ﴾ [النساء: 88] أي إن الحق يقول: أي حجة لكم في أن تفترقوا في أمر المنافقين إلى فئتين، والقياس يقتضي أن تدرسوا المسألة دراسة عقلية، دراسة إيمانية لتنتهوا إلى أنه يجب أن تكونوا على رأي واحد، ومعنى الإنكار هو: لا حجة لكم أيها المؤمنون في أن تنقسموا إلى فئتين. ويقول الحق: ﴿ والله أركسهم بما كسبوا.. ﴾ [النساء: 88] وساعة تسمع كلمة ﴿ أركسهم.. ﴾ [النساء: 88] ماذا نستفيد منها حتى ولو لم نعرف معنى الكلمة؟ نستفيد أن الحق قد وضعهم في منزلة غير لائقة. ونشعر أن الأسلوب دل على نكسهم وجعل مقدمهم مؤخرهم أي أنهم انقلبوا حتى ولو لم نفهم المادة المأخوذة منها الكلمة، وهذا من إيحاءات الأسلوب القرآني، إيحاءات اللفظ، وانسجامات حروفه. ﴿ والله أركسهم بما كسبوا.. ﴾ [النساء: 88] و ﴿ أركسهم.. ﴾ [النساء: 88] مأخوذة من " ركسهم " ومعناها " ردهم ". كأنهم كانوا على شيء ثم تركوه ثم ردهم الله إلى الشيء الأول، وهم كانوا كفارا أولا، ثم آمنوا، ثم أركسهم، لكن هل الله أركسهم تعنتا عليهم أو قهرا؟ لا فهذا حدث ﴿ بما كسبوا.. ﴾ [النساء: 88]، وذلك حتى لا يدخل أحد بنا في متاهة السؤال ولماذا يعاقبهم الله ويوبخهم ما دام هو سبحانه الذي فعل فيهم هذا لذلك قال لنا الحق: إنه ﴿ أركسهم بما كسبوا.. ﴾ [النساء: 88]. و ﴿ أركسهم.. ﴾ [النساء: 88] مادته مأخوذة من شيء اسمه " الركس " - بفتح الراء - وهو رد الشيء مقلوبا ومنه " الركس " بكسر الراء وهو الرجيع الذي يرجع من معدة الإنسان قبل أن يتمثل الطعام.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٠٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٠٨٥