إذا جآءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله..
[المنافقون: 1] هذه القضية واقعة صادقة وأعلنوا هم ذلك، ولكن الحق أضاف:
والله يشهد إن المنافقين لكاذبون
[المنافقون: 1]. فالقضية صادقة ولكنهم كاذبون لأنهم قالوها بلا اقتناع فكانوا كاذبين. والدقة هنا توضح الفرق بين صدق الخبر وكذب الاعتقاد.
إذن فصدق المخبر أن يطابق الكلام الاعتقاد. والتكذيب واضح في قولهم:
نشهد..
[المنافقون: 1] وليس في مقول القول وهو " إنك لرسول الله " فالشهادة تقتضي أن يواطئ ويوافق اللسان القلب. ولذلك عندما يقرأ بعض الناس القرآن دون فهم اللغة العربية فيفهم بالسطحية هذه الآية فهما خاطئا:
إذا جآءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون
[المنافقون: 1]. فكيف يشهد الله أنهم كاذبون، على الرغم من أنه سبحانه يعلم مثلما شهد المنافقون؟. ونرد: إن الخبر هنا لم يكن كذبا، ولم يقل الحق ما يكذب الخبر، لكنه أوضح صدق الخبر وكذب المنافقين في شهادتهم لأنهم يظهرون غير ما يبطنون ويعتقدون، فالتكذيب منصب على شهادتهم لا على خبر أن محمدا رسول الله. ﴿ الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن أصدق من الله حديثا ﴾ [النساء: 87]. إن المؤمن يعتقد أن يوم القيامة لا شك فيه، فيوم القيامة يجب منطقيا ألا يوجد شك فيه لأنه لو كان هناك ريب لكان الذين انحرفوا في الحياة الدنيا وولغوا في أعراض الناس وأخذوا أموالهم وعاثوا في الأرض فسادا هم الذين كسبوا وفازوا، ويكون الطيبون والأخيار قد عاشوا في سذاجة. فالمنطق يقتضي أنه ما دام قد وجد أناس قد ظلموا واعتدوا، وأناس أعتدى عليهم، فلا بد أن يكون هناك حساب. ولا يكون هناك حساب إلا إذا انتهت حكاية الموت، بالإحياء والحشر والخروج إلى لقاء الله. ودليل هذا من الجاحدين أنفسهم، كيف؟. نحن نعرف أن المجتمعات غير المتدينة يضع قادتها القوانين التي تكفل حماية حركة المجتمع. هم يضعون مثل هذه القوانين، ومن يخالفها يتم حسابه وعقابه. فإذا كان العقاب يمنع المجاهرة بالجريمة، فماذا يكون الموقف؟ إن الماهر إذن هو من يفلح في المداراة عن عيون قادة هذا المجتمع، ويستر نفسه عنهم حتى لا يناله العقاب. إن هذه المجتمعات الملحدة تضع التقنينات لحماية نفسها، فماذا تفعل هذه المجتمعات في الذين ستروا أنفسهم؟. هم بقانون هذه المجتمعات كان يجب أن يعاقبوا، وكان يجب أن تقولوا أنتم أن هناك مكانا آخر ودارا أخرى يتم فيها عقاب من أفلت منا. فأنت أيها الملحد قد قننت لمن خالف تقنينك عقوبة. وهذا إن وقعت عليه عينك، وقبضت عليه يدك، فما قولك فيمن لم تقع عليه عينك ولم تقبض عليه يدك؟. إذن فنحن أهل الإيمان عندما نقول للملحد: إننا نكمل لك تفكيرك الناقص ونقول لكل الخلق: إنكم إن عميتم على قضاء الأرض فلن تعموا على قضاء السماء الذي لا تخفى عليه خافية. إذن فغير المؤمن بمنهج نأخذ منه الدليل على ضرورة المنهج. وعلى غير المؤمن بالمنهج أن يشكر أهل الإيمان لأننا نحن أهل الإيمان قد أكملنا له نقصا في تقنين البشر، وهذا لحماية المجتمع من الكيد بالجريمة والستر بالمخالفة.
﴿ ومن أصدق من الله حديثا ﴾ أي لا أحد أصدق من الله في الحديث. و ﴿ أصدق.. ﴾ [النساء: 87] جاءت كأفعل تفضيل لا لأن هناك صدقا يعلوه صدق أصدق، بل الصدق واحد لأنه مطابقة النسبة الكلامية للواقع، ولكن " أصدق " هنا لكثرة الحديث الذي حدثنا الله به عما نشهد من عالم الملك ومما لا نشهد من عالم الملكوت، فإن تحدث الناس فإنما يتحدثون في عالم الملك الذي يدركونه بحواسهم، ولكن الله إذا حدثنا فسبحانه يحدثنا عن عالم الملكوت أيضا، فالله أصدق حديثا لأنه أكثر من حدث. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين... ﴾.