وبما أنه يرقب سلوك الإنسان فهو يجازيه. إذن كل هذه المعاني متداخلة ومتلازمة لذلك لا نقول اختلف العلماء في هذا المعنى، ولكن لنقل إن كل عالم لاحظ ملحظا في الكلمة، فالذي لاحظ القوت الأصلي على صواب، فلا يعطي القوت الأصلي إلا المراقب لعباده دائما، فهو شهيد، ولا يعطي أحدا قوتا إلا إذا كان قائما على شأنه فهو حسيب. وسبحانه لا يقيت الإنسان فقط ولكن يقيت كل خلقه، فهو يقيت الحيوان ويلهمه أن يأكل صنفا معينا من الطعام ولا يأكل الصنف الآخر. إننا إذا رأينا العلماء ينظرون إلى " مقيت " من زوايا مختلفة فهم جميعا على صواب، سواء من جعلها من القوت أو من الحفظ أو من القدرة أو من المشاهدة أو من الحساب، وكل واحد إنما نظر إلى لازم كلمة " مقيت " وسبحانه يقيت كل شيء، فهو يقيت الإنسان والحيوان والجماد والنبات. ونجد علماء النبات يشرحون ذلك فنحن نزرع النبات، وتمتص جذور النبات العناصر الغذائية من الأرض، وقبل أن يصبح للنبات جذور، فهو يأخذ غذاءه من فلقتي الحبة التي تضم الغذاء إلى أن ينبت لها جذر، وبعد أن يكبر جذر النبات فالفلقتان تصيران إلى ورقتين، وسبحانه على كل شيء مقيت، ويقول العلماء من بعد ذلك: إن الغذاء قد امتصه النبات بخاصية الأنابيب الشعرية. أي أن النبات يمتص الغذاء من التربة بواسطة الجذور الرفيعة التي تمتص الماء المذاب فيه عناصر الغذاء. وفتحة الأنبوبة في الأنابيب الشعرية لا تسع إلا مقدار الشعرة، وعندما توضع في الإناء فالسائل يصعد فيها ويرتفع الماء عن مستوى الحوض، وعندما تتوازى ضغوط الهواء على مستويات الماء فالماء لا يصعد. ومثال ذلك: عندما نأتي بماء ملون ونضعه في إناء، ونضع في الإناء الأنابيب الشعرية، فالسائل الملون يصعد إلى الأنابيب الشعرية، ولا تأخذ أنبوبة مادة من السائل، وتترك مادة بل كل الأنابيب تأخذ المادة نفسها. لكن شعيرات النبات تأخذ من الأرض الشيء الصالح لها وتترك الشيء غير الصالح. وهو ما يقول عنه علماء النبات " ذلك هو الانتخاب الطبيعي ". ومعنى الانتخاب هو الاختيار، والاختيار يقتضي عقلا يفكر ويرجح، والنبات لا عقل له، ولذلك كان يجب أن يقولوا إنه " الانتخاب الإلهي " ، فالطبيعة لا عقل لها ولكن يديرها حكيم له مطلق العلم والحكمة والقيومية. وسبحانه يقول عن ذلك:
يسقى بمآء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون
[الرعد: 4]. فالفلفل يأخذ المادة المناسبة للحريفية، والقصب يأخذ المادة التي تصنع حلاوته، والرمان يأخذ المادة الحمضية. هذا هو الانتخاب الإلهي. ﴿ وكان الله على كل شيء مقيتا ﴾ [النساء: 85] وساعة تسمع { كان الله.
. } [النساء: 85] فإياك أن تتصور أن ل " كان " هنا ملحظا في الزمن، فعندما نقول بالنسبة للبشر " كان زيد غنيا " فزيد من الأغيار وقد يذهب ثراؤه. لكن عندما نقول ﴿ كان الله.. ﴾ [النساء: 85] فإننا نقول: " كان الله ومازال " ، لأن الذي كان ويتغير هو من تدركه الأغيار. وسبحانه هو الذي يغير ولا يتغير، وموجود منذ الأزل وإلى الأبد. وحين أوضح لنا سبحانه الشفاعة وأمرنا أن يعدي الواحد منا مواهبه إلى غيره فذلك حتى تتساند قدرات المجتمع لأنه يربب الفائد للعبد المؤمن ويرببها للجميع. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن... ﴾.