. } [النساء: 84] معناها في اللغة الرجاء، كقول واحد: عسى أن يجيء فلان. أي: أرجو أن يجيء فلان. أو قول واحد مخاطبا صاحبا له: عسى أن يأتيك فلان بخير. وهذا رجاء أن يأتي فلان إلى فلان ببعض الخير، وقد يأتي فلان بالخير وقد لا يأتي، لكن الرجاء قد حدث. وقد يقول واحد لصاحبه: عسى أن آتيك أنا بخير. هنا يكون الرجاء أكثر قوة لأن الرجاء في الأولى في يد واحد آخر غير المتحدث، أما الخير هنا فهو في يد المتحدث. لكن أيضمن المتحدث أن توجد له القوة والوجود حتى يأتي بالخير لمن يتحدث إليه؟ إنه صحيح ينوي ذلك ولكنه لا يضمن أن توجد عنده القدرة. وإذا قال قائل: عسى الله أن يأتيك بالفرج. هذه هي الأوغل في الرجاء، لكن هل من يقول ذلك واثق من أن الله يجيب هذا الرجاء؟. قد يجيب الله وقد لا يجيب وفقا لإرادة الله لا لمعايير من يرجو أو المرجو له. أما عندما يقول الحق عن نفسه: ﴿ عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا.. ﴾ [النساء: 84] فهذا هو القول البالغ لنهايات كل الرجاءات. ف ﴿ عسى.. ﴾ [النساء: 84] بمراحلها المختلفة تبلغ قمتها عندما يقول الحق ذلك. وهكذا نرى مراحل ﴿ عسى.. ﴾ [النساء: 84]. أن يقول قائل: عسى أن يفعل لك فلان خيرا. هذه مرحلة أولى في الرجاء، وأن يقول قائل: عسى أن آتيك أنا بخير. هذه مرحلة أقوى في الرجاء، فقد يحب الإنسان أن يأتي بالخير لكن قد تأتي له ظروف تعوقه عن ذلك. وإن يقول قائل: عسى الله أن يفعل كذا، هذه مرحلة أكثر قوة لأن الخير فيها منسوب إلى القوة العليا، لكن هذا الرجاء قد يجيبه الله وقد لا يجيبه. والأقوى على الإطلاق هو أن يقول الله عن نفسه: ﴿ عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا.. ﴾ [النساء: 84] و ﴿ عسى.. ﴾ [النساء: 84] بالنسبة لله رجاء محقق لأنه إطماع من الله عز وجل، والإطماع منه واجب تحققه لأنه - سبحانه - هو الذي يحثنا ويدفعنا إلى الطمع في فضله لأنه كريم، وهو القائل سبحانه: ﴿ عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا ﴾ [النساء: 84] لأن أصحاب البأس من الخلق هم أهل أغيار، فالقوي منهم قد يضعف أو يصاب ببعض من الرعب فتخلخل عظامه. أما واهب الفعل وواهب القوى لخلقه فهو القادر على أن يفعل فهو الأشد بأسا وهو سبحانه أشد تنكيلا. وساعة يسمع الإنسان أي شيء من مادة " نكل " فعليه أن يعرف أنها مأخوذة من " النكل " وهو القيد. وعندما يوقع الحاكم - مثلا - العذاب على مرتكب لجريمة، والشخص الذي يرى هذا العذاب يخاف من ارتكاب مثل هذه الجريمة، فكأن الحاكم قد قيدهم بالعذاب الذي أنزله بأول مجرم أن يفعلوا مثل فعله.
ولذلك يقال على ألسنة الحكام: سأجعل من فلان نكالا. أي أن القائل سيعذب فلانا، بحيث يكون عبرة لمن يراه فلا يرتكب جريمة مثلها أبدا خوفا من أن تنزل به العقوبة التي نزلت ولحقت بمن فعل الجريمة. إذن فالتنكيل والنكال والنكل كلها راجعة إلى القيد الذي يمنع إنسانا أن يتحرك نحو الجريمة، أو قيد يمنع الإنسان أن يرجع إلى الجريمة التي فعلها أولا، أو أن هذا القيد وهو العذاب الذي عوقب به مرتكب الجريمة يكون ماثلا أمام الناس يحذرهم من الوقوع فيها كي لا تنالهم عقوبتها ونكالها. إن الحق سبحانه وتعالى حين خلق الخلق ووزع عليهم فضل المواهب فلا يوجد واحد قد جمع كل المواهب لأن فكر الإنسان وطاقته وزمنه وظروفه شاء الله أن تختلف وشاء سبحانه ألا يجعل الإنسان موهوبا في كل مجال، وحين يوزع الله على كل عبد جزءا من المواهب ويعطي العبد الآخر جزءا آخر حتى يتكامل العباد معا. فلو أن صاحب موهبة تجمعت لديه مواهب الآخرين لاستغنى كل إنسان عن مواهب الآخرين، والله يريد منا مجتمعا متساندا متكافلا متكاملا، فما أفقده أنا أجده عند غيري. فتجد بارعا في الهندسة وعندما يصاب هذا المهندس البارع بألم فهو يطلب طبيبا، والطبيب الذي يريد بناء عيادة يطلبها من المهندس. وكلاهما يطلب مشورة المحامي في كتابة العقود، وكل هؤلاء في حاجة إلى من يقيم البناء، والذين يقيمون البناء من مهن متعددة أخرى يحتاج بعضهم إلى بعض. إذن لا يوجد فرد واحد قادر على أن يقوم بكل هذه العمليات بمفرده، ولو أن هناك واحدا يستطيع كل ذلك لما احتاج إلى أحد، ولو حدث ذلك لكان التفكك في المجتمع. ولذلك جاء قول الحق: