وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم
[آل عمران: 126]. وورود كلمة ﴿ بأس.. ﴾ [النساء: 84] في الآية التي نحن بصددها، يراد بها القوة والشدة في الحرب، ويراد بها المكيدة، ويراد بها هزيمة الأعداء. فكلمة ﴿ بأس.. ﴾ [النساء: 84] فيها معان متعددة. والحق يبلغ رسوله: إنك يا محمد لا تكلف إلا نفسك وإياك أن يخطر على بشريتك: كيف أقاتل هؤلاء وحدى فإن القوم المؤمنين معك وإذا ما دخلوا القتال فهم لا ينصرونك ولكنهم يسترون يد الله في النصر:
قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم..
[التوبة: 14]. ولماذا لا ينصر الله المؤمنين والرسول مباشرة دون قتال لغيرهم من الكفار والمشركين؟. لأن النصر لو جاء بسبب غيبي من الحق ربما قالوا ظاهرة طبيعية قد نشأت، ولكن الحق يريد أن يظهر أن القلة المؤمنة هي التي غلبت، فالمؤمن يقبل على الأسباب ولا ينسى المسبب، فحينما نظر المسلمون إلى الأسباب فقط في " حنين " ، وقال بعضهم: لن نهزم عن قلة فنحن كثير، هنا ذاق المسلمون طعم الهزيمة أولا، وبعد أن أعطاهم الحق الدرس التأديبي أولا، نصرهم ثانيا. والحق يقول:
ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا..
[التوبة: 25]. وهذا لفت للمؤمنين أن يكونوا مع الأسباب ويتذكروا المسبب دائما لأن الأسباب إنما تأتي فقط لإثبات أن الله مع المؤمنين فلو أن المؤمنين انتصروا بأي سبب غيبي آخر لقال الأعداء: إن هذا الذي حدث هو ناتج ظاهرة طبيعية. والفرق بين الظاهرة الطبيعية والظاهرة المادية في الخصوم ما حدث لسيدنا إبراهيم عليه السلام. فلم يرد الحق مجرد إنقاذ سيدنا إبراهيم من النار لأن الأمر لو كان كذلك لما مكن أعداء إبراهيم عليه السلام من القبض عليه، ولو فعل الحق ذلك لقال أعداء سيدنا إبراهيم: آه لو كنا قد أمسكنا به، ولكان ذلك فرصة لكفرهم. ولكن الحق يجعلهم يمسكون بإبراهيم عليه السلام: وترك النار تتأجج، ويقطع سبحانه الأسباب:
قلنا ينار كوني بردا وسلما على إبراهيم
[الأنبياء: 69]. هذه هي النكاية، فلو جاء إنقاذ إبراهيم بطريق غير ذلك من الأمور الغيبية غير المادة المحسة، لوجد خصوم إبراهيم المخارج لتبرير هزيمتهم. ولذلك فالحق سبحانه وتعالى يوضح لرسوله: يا محمد أنا الذي أرسلتك، ولم أكلك إلى نصرة من يؤمن بك، وإنني قادر على نصرك وحدك بدون شيء، ولكن أردت لأمتك التي آمنت بك أن ينالها يمن الإيمان بك فيستشهد بعضها، فتثاب الأمة، وتنتصر فتعلو وترتفع هامتها على العرب، فلو كان الأمر مقصورا على نصر رسول الله لنصره الله دون حرب أو جهاد. وقول الحق سبحانه: ﴿ عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا ﴾ [النساء: 84] أي أنه سبحانه قادر على أن يوقف ويمنع حرب وكيد الكافرين فيبطله ويهزمهم. وهذا ما حدث، فبعد موقعة " أحد " التي ماعت نهايتها ولا يستطيع أحد أن يحدد من المنتصر فيها ومن المهزوم لأن رسول الله قد انتصر أولا، ثم خالف الرماة أمر رسول الله، فحدث خلل في صفوف المقاتلين المسلمين، ولكن لم يبق المحاربون من قريش في مكان المعركة، وأيضا لم يتجاوزوها إلى داخل المدينة، ولذلك لم تنته معركة أحد بنصر أحد. وبعد ذلك هددوا بأن الميعاد في بدر الصغرى في العام القادم. ومر العام، وجاء الميعاد، وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرج، فلما طالب بالخروج وجد كسلا من القوم، ولم يطعه إلا سبعون رجلا، وخرجوا إلى المكان المحدد. وأثبتوا أنهم لم يخافوا الموقف، وقذف الله الرعب في قلب أبي سفيان وقومه فلم يخرجوا. إذن فربنا قادر أن يكف بأس الذين كفروا، فقد أقام رسول الله في المكان، وجلس مع المقاتلين وكان معهم تجارة وباعوها وغنم المسلمون الكثير من هذه التجارة. ﴿ عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا ﴾ [النساء: 84] وكلمة ﴿ عسى.. ﴾ [النساء: 84] في اللغة تأخذ أوضاعا متعددة، ف { عسى.