واصبر على مآ أصابك إن ذلك من عزم الأمور
[لقمان: 17] يناسب الموقف الذي لا يوجد فيه غريم، وفي الآية الثانية:
إن ذلك لمن عزم الأمور
[الشورى: 43] فالآية تناسب الموقف الذي فيه غريم لأنك ستصبر على المصيبة وعلى من عملها من غريم لأنك كلما رأيته تهيج نفسك وهذا يحتاج لتأكيد الصبر بقوة، وتلك هي كلمات المستشرقين الذين يريدون الطعن في القرآن ويقولون لنا: أنتم تنظرون للقرآن بقداسة لكنكم لو نظرتم إليه بتفحص لوجدتم أن فيه اختلافات كثيرة، نقول لهم: قولوا لنا المخالفات، ونحن رددنا على هذا في ثنايا خواطرنا عن القرآن، ومنهم من يقول لك مثلا: القرآن عندما تعرض لقضية خلق السماوات والأرض جاءت كل الآيات لتؤكد أن الله سبحانه خلقها في ستة أيام، لكنهم يقولون عندما نذهب إلى آيات التفصيل في قوله:
قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيهآ أقواتها في أربعة أيام سوآء للسآئلين * ثم استوى إلى السمآء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا طآئعين * فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سمآء أمرها وزينا السمآء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم
[فصلت: 9-12]. نجدها ثمانية أيام فقالوا: هذا خلاف. نقول لهم: أنتم لم تفهموا. فسبحانه حين قال:
قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض
[فصلت: 9]، فهل تكلم عما تستقيم به الحياة على الأرض؟ إنه عندما تكلم عن الأرض يقول:
قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * وجعل فيها رواسي من فوقها
[فصلت: 9-10]، فهذه تكون تتمة الأرض لأنه يتكلم عن الأرض،
وجعل فيها..
[فصلت: 10] أي الأرض،
وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيهآ أقواتها..
[فصلت: 10] وكل ذلك في الأرض، إذن فالمرحلة الثانية مرحلة تتمة خلق الأرض فسبحانه خلق الأرض كجرم أولا، وبعد ذلك جعل فيها الرواسي وجعل فيها الأقوات وبارك فيها. في كم يوما؟ في أربعة أيام فكأن اليومين الأولين دخلا في الأربعة، لأن هذه تتمة خلق الأرض. ولله المثل الأعلى، مثلما تقول: سرت من هنا إلى الإسماعيلية في ساعة، وإلى بورسعيد في ساعتين، فقولك: إلى بورسعيد في ساعتين، يعني أن الساعة الأولى تم حسابها، إذن فهؤلاء المستشرقون لم يفهموا معطيات القرآن لذلك يقول سبحانه: ﴿ أفلا يتدبرون القرآن.. ﴾ [النساء: 82] فإن وجدت شيئا ظاهريا يثير تساؤلا في القرآن فأعمل عقلك، وأعمل فكرك كي تعرف أن التناقض في فهمك أنت وليس التناقض في القرآن لأنه من عند من إذا قص واقعا قصه على حقيقته، وعند من لا يغيب شيء عنه، لا حجاب الزمن الماضي، ولا حجاب الزمن المستقبل، ولا حجاب المكان، ولا حجاب المكين
أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا
[النساء: 82]، فالقرآن كتاب كبير به أربع عشرة ومائة سورة، بالله هاتوا أي أديب من الأدباء كي يكتب هذا، ثم انظروا في فصاحته، إنكم ستجدونه قويا في ناحية وضعيفا في ناحية أخرى، وبعد ذلك قد تجدونه أخل بالمعنى، وقال كلمتين هنا ثم جاء بما يناقضهما بعد ذلك! مثلما فعل أبو العلاء المعري عندما قال:
تحطمنا الأيام حتى كأننا
زجاج ولكن لا يعاد لنا سبك
وكان أيام قوله هذا: ينكر البعث. وعندما رجع إلى صوابه بعد ذلك قال:
زعم المنجم والطبيب كلاهما
لا تحشر الأجساد قلت إليكما
إن صح قولكما فلست بخاسر
أو صح قولي فالخسار عليكما
إذن فالتناقض يأتي مع صاحب الأغيار الذي كان له رأي أولا ثم عدلته التجربة أو الواقع إلى رأي آخر. لكن ربنا سبحانه وتعالى لا يتغير ومعلومه لا يتغير فهو الحق، إذن فالتناقض يأتي إما من واحد يكذب لأن الواقع لم يحكمه، وإما من واحد هو في ذاته متغير، فرأى رأيا ثم عدل عنه، فيكون متغيرا. لكن الحق سبحانه وتعالى لا يتغير.. ويقول على الواقع الحق: ﴿ أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ﴾ [النساء: 82]. والواقع أيضا أننا نجد كل قضية قرآنية تعرض كنص من نصوص القرآن أنزله الله على رسوله، هذه القضية القرآنية في كون له تغيرات، والتغيرات بعضها يكون من مؤمن بالقرآن، وبعضها يكون من غير مؤمن بالقرآن، فهل رأيت قضية قرآنية ثم جاءت قضية الكون حتى من غير المؤمنين فكذبتها؟. لا، هم في الغرب مثلا بعد الحرب العالمية الأولى اخترعوا أسطوانة تحطيم الجوهر الفرد والجزء الذي لا يتجزأ، وكانت تلك أول مرحلة في تفتيت الذرة، ونجد القرآن يضرب المثل بالذرة، وأنها أصغر شيء في قوله سبحانه: