وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى..
[الأنفال: 17] فكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما جاء إلى المعركة أخذ حفنة من الحصى، وجاء ورمى بها جيش العدو. إذن فالعملية الشكلية قام بها النبي صلى الله عليه وسلم، لكن ألرسول الله قدرة أن يرسل الحصى إلى كل جيش العدو؟ إن هذه ليست في طاقته، فقول الحق:
وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى..
[الأنفال: 17]. أنت أخذت شكلية الرمي، أما موضوعية الرمي فهي لله سبحانه وتعالى. ويأتي مثلا في آية أخرى يقول:
ولكن أكثر الناس لا يعلمون
[الروم: 6]. وهذا نفي. ثم يقول بعدها مباشرة:
يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا..
[الروم: 7]. وتتساءلون أيقول: ﴿ لا يعلمون ﴾ [الروم: 6].. ثم يقول: ﴿ يعلمون ﴾ [الروم: 7] بعدها مباشرة؟ نعم فهم لا يعلمون العلم المفيد، وقوله:
يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا..
[الروم: 7] أنهم لا يعلمون بواطن الأمور ولا عواقبها. فإذا جاء فعل فثبت مرة ونفى مرة أخرى فلا بد أن الجهة منفكة. مثال ذلك هو قول الحق:
فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن
[الرحمن: 39]. ثم يقول القرآن في موقع آخر:
وقفوهم إنهم مسئولون
[الصافات: 24]. ومعناها أنهم سيسألون. ونقول: اجعلوا عندكم ملكة العربية، ألا يسأل الأستاذ تلميذه.
إذن فالسؤال قد يقع من العالم ليعلم ما عند المسئول ويقر به، وليس ليعلم العالم ما عند المسئول، وعندما يقول ربنا:
وقفوهم إنهم مسئولون
[الصافات: 24]. فإياكم أن يذهب ظنكم إلى أن الله يسأل لأنه لا يعلم، وإنما يسأل ليقرركم لتكون حجة الإقرار أقوى من حجة الاختبار. إذن فإن رأيت شيئا نفي، وأثبت في مرة أخرى فاعلم أن الجهة منفكة. وحينما نتكلم عن إعجاز القرآن نجده يقول:
ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم..
[الأنعام: 151]. وجاء في الآية الثانية وقال ربنا:
نحن نرزقهم وإياكم..
[الإسراء: 31]. قد يقول من لا يملك ملكة اللغة: فأيهما بليغة؟ إن كانت الأولى فالثانية ليست بليغة، وإن كانت الثانية فالأولى ليست بليغة. نقول له: أنت أخذت عجز كل آية فقط. وعليك أن تأخذ عجز كل آية مع صدرها. صحيح أن عجز الآية مختلف لأنه يقول في الأولى:
نحن نرزقكم وإياهم..
[الأنعام: 151] وفي الثانية يقول:
نحن نرزقهم وإياكم..
[الإسراء: 31]. ولكن هل صدر الآية متحد؟ لا، فصدر كل آية مختلف لأنه قال:
ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم..
[الأنعام: 151]. فكأن الإملاق موجود حاصل لذلك شغل المخاطب برزقه قبل أن يشغل برزق ولده، ويخاف أن يأتي له الولد فلا يجد ما يطعمه. لأنه هو نفسه فقير. فيطمئنه الله على رزقه أولا ثم بعد ذلك يطمئنه على رزق من سيأتي:
نحن نرزقكم وإياهم..
[الأنعام: 151] لكن في الآية الثانية لم يقل ذلك، بل قال:
ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق..
[الإسراء: 31] كأنه يخاف أن يفقد ماله ويصير فقيرا عندما يأتي الولد، وما دام قد قال: ﴿ خشية إملاق.. ﴾ [الإسراء: 31] فهذا يعني أن الإملاق غير موجود، ولكنه يخاف الإملاق إن جاء الولد، يخاف أن يأتيه الولد فيأتيه الفقر معه، فأوضح الحق له: لا تخف فسيأتي الولد برزقه،
نحن نرزقهم وإياكم..
[الإسراء: 31] إذن إن نظرت إلى الآية عجزها مع صدرها، تجد العلاقة مكتملة، ويحاول بعضهم أن يجد منفذا للطعن في بلاغة القرآن فيتساءل لماذا يقول الحق في آية في القرآن:
واصبر على مآ أصابك إن ذلك من عزم الأمور
[لقمان: 17]. وفي سورة ثانية يقول:
ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور
[الشورى: 43]. ونقول لهم: أنتم لم تفهموا الآيات على حقيقتها. ففي الآية الأولى يقول:
واصبر على مآ أصابك إن ذلك من عزم الأمور
[لقمان: 17] أي في المصائب التي لا غريم لك فيها. وما دام ليس لك غريم فيها، فماذا تفعل؟ لكن إذا كان لك غريم وخصم فقد تتحرك نفسك بأن تنتقم منه. ولذلك فانتبه لقوله الحق: