ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين
[النحل: 103]. يقصدون ب
بشر..
[النحل: 103] هذا غلاما كان لحويطب بن عبد العزى قد أسلم وحسن إسلامه، أو غلاما آخر روميا أو سلمان الفارسي، فأوضح الحق: تعقلوا جيدا، فمحمد لم يجلس إلى معلم، ولم يذهب في رحلات.
وبعد ذلك جاء القرآن تحديا لا بالمنطق ولا باللغة ولا بالفصاحة ولا بالبيان فحسب، بل بالأمر الشامل لكل العقول وهو كتاب الكون. ووقائعه وأحداثه التي يشترك فيه كل الناس. والكون - كما نعرف - له حجب، فالأمر الماضي حجابه الزمن الماضي والذي كان يعيش أيامه يعرفه، والذي لم يكن في أيامه لا يعرفه، إذن فأحداث الماضي حجبها الزمن الماضي، وأحداث المستقبل حجزها المستقبل لأنها لم تقع بعد. والحاضر أمامنا، فيجعل له حاجزا هو المكان، فيأتي القرآن في أساليبه يخرق كل هذه الحجب، ثم يتحدى على سبيل المثال ويقول:
وما كنت بجانب الغربي إذ قضينآ إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين
[القصص: 44]. وسبحانه يقول:
وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلوا عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين
[القصص: 45]. وسبحانه يقول:
وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون
[العنكبوت: 48]. وكل " ما كنت " في القرآن تأتي بأخبار عن أشياء حدثت في الماضي. بالله لو كانوا يعلمون أنه علم أو جلس إلى معلم، أكانوا يسكتون؟ طبعا لا، لأن هناك كفارا أرادوا أي ثغرة لينفذوا منها، وبعد ذلك يأتي القرآن لحجاب الزمن المستقبل ويخرقه، يحدث ذلك والمسلمون لا يقدرون أن يحموا أنفسهم فيقول الحق:
سيهزم الجمع ويولون الدبر
[القمر: 45]. حتى أن عمر بن الخطاب يقول: أي جمع هذا؟ وينزل القرآن بآيات تتلى وتسجل وتحفظ.. وتأتي غزوة " بدر " ويهزم الجمع فعلا. وتنزل آية أخرى في الوليد ابن المغيرة الجبار المفتري:
سنسمه على الخرطوم
[القلم: 16]. ويتساءل بعضهم: هل نحن قادرون أن نصل إليه؟ وبعد ذلك تأتي غزوة " بدر " فينظرون أنفه فيجدون السيف قد خرطه وترك سمة وعلامة عليه، فمن الذي خرق حجاب الزمن المستقبل؟ إنه الله. وليس محمدا، فإذا تدبرتم المسائل حق التدبر لعلمتم أن محمدا ما هو إلا مبلغ للقرآن، وأن الذي قال القرآن هو الإله الذي ليس عنده ماض ولا حاضر ولا مستقبل، بل كل الزمن له، ويأتي القرآن فيقول:
ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول..
[المجادلة: 8]. هم قالوا في أنفسهم ولم يسمع لهم أحد، ثم ينزل القرآن فيخبر بما قالوه في أنفسهم.. فماذا يقولون إذن؟ وهم لو تدبروا القرآن لعلموا أن الحق سبحانه وتعالى هو الذي أخبر رسول الله بما قالوا في أنفسهم، فهذه الآية ﴿ أفلا يتدبرون القرآن ﴾ [النساء: 82] جاءت بعد
فإذا برزوا من عندك بيت طآئفة منهم غير الذي تقول..
[النساء: 81]، إذن فقد فضحوا، فلو كانوا يتدبرون لعلموا أن الله الذي أرسله بالهدى ودين الحق هو الذي أخبره بما بيتوا، والذين لا يفهمون اللغة يطيرون فرحا باختلاف توهموا أنه موجود بالقرآن، يقولون: إن الحدث الواحد المنسوب إلى فاعل واحد لا ينفي مرة ويثبت مرة أخرى، فإن نفيته لا ثتبته، وإن أثبته لا تنفه، لكن القرآن فيه هذا.
وهييء لهم ذلك في قول الحق:
وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى..
[الأنفال: 17]. و ﴿ وما رميت.. ﴾ [الأنفال: 17] هو نفى " الرمي " ، و " إذ رميت " أثبت " الرمي " وجاء القرآن بالفعل وهو ﴿ رميت ﴾ ، والفاعل هو " رسول الله صلى الله عليه وسلم " فكيف يثبت الفعل مرة وينفيه مرة في آية واحدة؟ ونقول لهم: لأنكم ليس عندكم ملكة العربية قلتم هذا الكلام، أما من عنده ملكة العربية وهي أصيلة وسليقة وطبيعة وسجية فيه، فقد سمع الآية ولم يقل مثل هذا الكلام، مما يدل على أنه فهم مؤداها. ثم لماذا نبتعد ونقول من أيام الجاهلية، لنأخذ من حياتنا اليومية مثلا، أنت إذا ما جئت مثلا لولدك وقلت له: ذاكر لأن الامتحان قد قرب، وأنا جالس معك لأرى هل ستذاكر أو لا. فيأخذ الولد كتابه ويجلس إلى مكتبه وبعد ذلك يفتح الكتاب ويقلب الأوراق ويهز رأسه. وبعد مدة تقول له: تعال انظر ماذا ذاكرت. فتمسك الكتاب وتسأله سؤالين فيما ذاكر، فلا يجيب، فتقول له: ذاكرت وما ذاكرت. أي أنك فعلت شكلية المذاكرة، ولا حصيلة لك في موضوع المذاكرة. قولك: " ذاكرت " هو إثبات للفعل، وقولك: " وما ذاكرت " هو نفي للفعل. فإذا جاء فعل من فاعل واحد مثبت مرة ومنفي مرة من كلام البليغ. فاعلم أن جهة الإثبات غير جهة النفي. وقوله الحق: