تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فينسب الخير والحسنة لله، وينسب الشر والسيئة لمحمد، وعلى هذا فالذين قالوا مثل هذا الكلام إما أن يكونوا من المنافقين الذين أعلنوا إسلامهم وولاءهم لرسول الله وفي قلوبهم الكفر، وإما أن يكونوا من بعض أهل الكتاب لأنهم يؤمنون بالله ولكنهم لا يعترفون برسول الله صلى الله عليه وسلم، فهؤلاء وأولئك ينظرون إلى الأمر الذي فيه خير على أساس أنه من عند الله، ويلقون اتهاما باطلا لرسول الله أنه مسئول عن الشرور التي تحدث لهم. كأنهم يريدون أن يقيموا انعزالا بين محمد وربه. لا. فسبحانه لا يتيح لهم ذلك فقد أنزل قرآنا يتلى إلى أبد الآبدين:

من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فمآ أرسلناك عليهم حفيظا

[النساء: 80]. والحق يقول:

إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله

[آل عمران: 31]. فلا أحد يملك أن يصنع مضارة بين محمد وربه لأن محمدا رسول من عند الله مبلغ لقول الله ومنهجه، وسبحانه يقول:

وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله..

[التوبة: 74]. والحق سبحانه وتعالى لا يرضى عن عبد يستغفر الله فقط، ولكن لا بد أن يذهب العبد ويطلب من رسول الله أن يستغفر له الله، فلا أحد يمكنه أن يقيم صلحا مع الله من وراء محمد رسول الله، فلا تفرقوا بين أمر الله وأمر رسول الله، ومن يريد أن يصنع مضارة بين الله ورسوله بأن يقول عن الحسنة إنها من عند الله، وأن السيئة من عند محمد، فهذا قول خاسر. ما حكاية هذا القول؟ إنهم إن ذهبوا إلى حرب فغنموا قالوا: " إن الله أسعدنا بالغنائم ". وإن هزموا قالوا: إن محمدا هو الذي أوقع بنا الهزيمة، وكأن لمحمد تصرفا دون تصرف الله. فإياك أن تخدع بمن يحاول أن يعزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه. إن محمدا قد بعثه الله وأنزل عليه القرآن. وكان رسول الله حين نزلت الدعوة يأمل أن يستجيب له القوم الذين يؤمنون بالله وهم أهل الكتاب. وكانوا أقرب إلى قلبه من القوم الذين لا يؤمنون بالله وهم المشركون، وكان هناك معسكران: معسكر الفرس، ومعسكر الروم، وكان معسكر الفرس يعبد النار - معاذ الله - أما معسكر الروم فهو يؤمن بالله وبالكتب السابقة على رسول الله ولكنه كافر بمحمد. والذي يؤمن بالله كان قريبا إلى قلب محمد ممن كفر بالله، وهذا دليل على أن عصبية محمد قد أتت له من الله. وقد ينصرف المعنى إلى اليهود. فحينما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كان من المصادفة أن تقل ثمارهم ومزارعهم فقالوا: مزارعنا وثمارنا في نقص منذ قدم هذا الرجل. وهل كان ذلك الأمر مصادفة أو أننا نجد له تعليلا ماديا؟ فحينما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أنكروه بعد أن كانوا يستفتحون به على الذين كفروا، وسلب مجيئه منهم السلطة الزمنية التي كانت لهم لأنهم كانوا أهل مال، ويتعاملون بالربا ويثيرون العصبية، ويتاجرون من أجل أن تظل لهم السيادة، وهم أهل علم بالكتاب وحاولوا التجارة بكلمات الله.

فكانت لهم السيادة من ثلاث جهات: علميا وماليا ومنهجيا. وعندما جاء الإسلام ألف بين الأوس والخزرج فبارت أسلحتهم وضاعت منهم السلطة التي صنعوها بالتفرقة، وضاعت منهم سيادة المال لأن الإسلام حرم الربا، وضاعت منهم سيادة المنهج لأن الإسلام كشف تحريفهم للكتاب وأنزل الله كتابا - وهو القرآن - غير قابل للتحريف. وهكذا انتهت وسائل السيطرة، لذلك وقعوا في الحزن وانشغلوا بهذا الهم. وكان الواحد منهم لا يسارر الآخر من اليهود ولا يناجيه إلا في أمر محمد. وما دامت هذه المسألة قد شغلتهم إلى هذه الدرجة فلا بد أنها قد شغلتهم عن الزراعة والاهتمام بها. هم انشغلوا عن الأسباب فكانت النتيجة هي ما حدث. ولكنهم حاولوا إلصاق ذلك برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من الصعب عليهم أن يفهموا الأمر الحادث لهم، وإما أن يكون تفسير ذلك هو أن السماء أرادت لهم عقابا لأنهم حاولوا المكر برسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك شغل وقتهم عن الأخذ بالأسباب. وإما أن يكون ذلك من آفة سماوية فلماذا لم يلتفتوا إلى أن دين محمد هو المنقذ لهم مما هم فيه؟ لقد كانوا يستعزون به. لكنهم لم يؤمنوا به

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٠٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٠٥٠