تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الذي خلق الموت والحياة..

[الملك: 2] وهذا ما يسهل علينا فهم الحديث القدسي الشريف الذي يشرح لنا كيف يكون الحال بعد أن يوجد أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار ويأتي الحق سبحانه بالموت في صورة كبش ويذبحه. عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال:

" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يؤتى بالموت يوم القيامة، فيوقف على الصراط، فيقال: يا أهل الجنة فيطلعون خائفين وجلين أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه. فيقال: هل تعرفون هذا؟ قالوا: نعم ربنا، هذا الموت، ثم يقال: يا أهل النار، فيطلعون فرحين مستبشرين، أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه. فيقال: هل تعرفون هذا؟ قالوا: نعم هذا الموت، فيأمر به فيذبح على الصراط، ثم يقال للفريقين " كلاهما ".: " خلود فيما تجدون لا موت فيه أبدا ".

وتجسيد الموت في صورة كبش معناه أن للموت كينونة. ويعلمنا الله أنه يقضي على الموت، فنحيا في خلود بلا موت.

وينبه الناس الذين كفروا وظنوا أن الذين قتلوا في سبيل الله لو كانوا عندهم لما ماتوا. نقول لهم: العندية عندكم لا تمنع الموت. ولو كان من دنا أجله وحان حينه يسكن في بروج مشيدة لأدركه الموت. أن الأداء القرآني يتنوع فهناك من الأداء ما نفهمه من الألفاظ، وهناك ما نفهمه من الهدى الأسلوبي للقرآن لأنه خطاب الرب. فالبشر فيما بينهم يتخاطبون بملكات لغوية وملكات عقلية، لكن عندما يخاطب الحق الخلق فسبحانه يخاطب كل ملكات النفس. ولذلك نجد طفلا صغيرا يحفظ القرآن ويمتلئ بالسرور، فيسأله واحد من الكبار: ما الذي يسرك في حفظ القرآن؟. فيجيب الصغير: إنني أحس بالانسجام وكفى. هو لا يعرف لماذا يحس بالانسجام من سماع القرآن أو حفظه، فالمتحدث هو الله، وسبحانه بقدرته وجمال كماله يخاطب كل الملكات النفسية. وسبحانه وتعالى يقول: ﴿ أينما تكونوا يدرككم الموت.. ﴾ [النساء: 78] أي أينما توجدوا يدرككم الموت. وكلمة " يدرككم " دليل على أن الإنسان عندما تدب فيه الروح ينطلق الموت مع الروح، إلى أن يدركها في الزمن الذي قدره الله. وكلمة " يدرك " توضح لنا أن الموت يلاحق الروح حتى إذا أدركها سلبها وكما قال الأثر الصالح عن ملاحقة الموت للحياة: " حتى إذا أدركها جرت، فلا أحد منكم إلا هو مدرك " ، ولذلك يقول أهل المعرفة والإشراق: " الموت سهم أرسل إليك وإنما عمرك هو بقدر سفره إليك ". وهكذا نعرف أن قوله الحق: ﴿ يدرككم.. ﴾ [النساء: 78] تدل على أن الموت يلاحق حياة الإنسان ويجري وراء روحه حتى يدركها. ويقول الحق: ﴿ ولو كنتم في بروج مشيدة.. ﴾ [النساء: 78]. وعندما نبحث في الحروف الأصلية لمادة كلمة " البروج " نستطيع أن نرى المعنى العام لها. والحروف الأصلية في هذه الكلمة هي " الباء " و " الراء " و " الجيم " وكلها تدل على الارتفاع والظهور. فيقال: " هذه امرأة فيها برج " أي أن عيونها واسعة وتحتل قدرا كبيرا من وجهها وتكون واضحة، فالبرج هو الاتساع والظهور. والأبراج عادة كان بناؤها مرتفعا كحصون وقلاع نبنيها نحن الآن من الأسمنت والحديد. والقصد من ﴿ مشيدة.. ﴾ [النساء: 78] أي أنها بروج تم بناؤها بإحكام، فالشي قد يكون عاليا ولكنه قد يكون هشا. أما الشيء المشيد فهو من " الشيد " وهو " الجص " ، ومن " الشيد " وهو " الارتفاع " ، والمقصود أن لبنات البرج تلتحم أبعاضها وأجزاؤها بالجص فهي مرتفعة متماسكة. إنك إذا رأيت جمعا وقوبل بجمع فمعنى ذلك أن القسمة تعطينا آحادا. فساعة يدخل المدرس الفصل يقول لطلابه: أخرجوا كتبكم. فمعنى هذا القول أن يخرج كل تلميذ كتابه.

وعلى ذلك يكون القياس. فلو بني كل إنسان لنفسه برجا مشيدا لجاءه الموت. والجمع مقصود أيضا: أي لو كنتم جميعا معتصمين ببرج محاط ببرج آخر وثالث ورابع، كأنه حصن محصن فالحصون في بعض الأحيان يتم بناؤها وكأنها نقطة محاطة بدائرة صغيرة. وحول الدائرة دائرة أخرى أوسع. ولذلك تجد الحصن نقطة محاطة بعدد من الحصون. والموت يدرك البشر ولو كانوا في برج محاط ببروج. وكلا المعنيين يوضح قدرة الحق في إنفاذ أمره بالموت. وساعة يتكلم سبحانه عن الموت وعن الحياة في الجهاد فهو يريد أن يخرج الناس من الظلمات إلى النور لأن الدين هو نور طارئ على ظلمة، والذين يعيشون في الظلام يكونون قد ألفوا الظلمة والفوضى وكل منهم يعربد في الآخرين. وعندما جاء الدين فر بعضهم من مجيء النور لأن النور يحرمهم من لذات الضلال ولأن النور يوضح الرؤية. لذلك يوضح سبحانه وتعالى أنه أتى بالموت ليؤدي حاجتين: الحاجة الأولى: أن من يؤمن عليه أن يستحضر الموت لأن جزاءه لا يكون له منفذ إلا أن يموت ويلقى ربه، ويعلم أن الحاجب بينه وبين جزاء الخالق هو الموت، فساعة يسمع كلمة الموت فهو يستشرف للقاء الله لأنه ذاهب إلى الجزاء. والحاجة الثانية: أن غير المؤمن يخاف الموت ويخشاه ولا يستعد له ويخاف أن يلاقي ربه. إذن فكلمة ﴿ الموت.. ﴾ [النساء: 78] تعطي الرغب والرهب. فصاحب الإيمان ساعة يسمع كلمة الموت يقول لنفسه: إن متاعب الدنيا لن تدوم، أريد أن ألقى ربي. ولذلك يجب أن يستحضر المؤمنون بالله تلك القضية. وحين يستحضرون هذه القضية يهون عليهم كل مصاب في عزيز فالإنسان ما دام مؤمنا فهو يعرف أن العزيز الذي راح منه إما مؤمن وإما غير مؤمن، فإن كان مؤمنا فليفرح له المؤمن الذي افتقده لأن الله عجل به ليرى خيره، فإن حزنت لفقد قريب مؤمن فأنت تحزن على نفسك. وإن كان الذي ذهب إلى ربه غير مؤمن، فالمؤمن يرتاح من شره. إذن الموت راحة، والذي عمل صالحا يستشرف إليه، وهذا رغب، أما الكافر فهو خائف وهذا رهب. ولذلك فمن الحمق أن يحزن الإنسان على ميت، وعليه أن يلتفت إلى قول الحق: ﴿ أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة.. ﴾ [النساء: 78]. ويتابع الحق: ﴿ وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ﴾ [النساء: 78]. ومثل هذا الكلام أليق بمن؟ الذي يقول عن الحسنة إنها من عند الله فهو يؤمن بالله وهذه الكلمة لها في ذهنه تصور. والآية لا تريد هذا الصنف من الناس ولكن بعضهم يريد أن يفرق بين محمد وربه.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٠٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٠٤٩