تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به..

[البقرة: 89] فنزل بهم أكثر من عقاب. فالذين كانوا يتعاملون مع اليهود بالربا امتنعوا عن ذلك، وكذلك نقصت الزروع والثمار. إذن فالمسألة جاءتهم بنقص من الأموال فقالوا ما قاله الله مما أورده الحق على ألسنتهم: ﴿ وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله.. ﴾ [النساء: 78]. أي كل من الحسنة والسيئة من عند الله وما الحسنة وما السيئة؟ الحسنة هي الظفر والغنيمة والسراء والرخاء والخصب. والسيئة هي الهزيمة والقتل والضراء والبؤس والجدب. هذا ما فهموه، ونحن - المؤمنين - نفهم الحسنة فهما دقيقا فالحسنة في الشرع هي ما يأمر به الله، والسيئة هي ما ينهى عنه الله بدليل أن المؤمن قد يصاب في عزيز لديه ثم يقف موقفا إيمانيا في استقبال هذه المصيبة ويقول: " إن حزني لن يرده فالأفضل أن أكسب به الجنة ". ويزيد على ذلك: " يكفيني عزاء الأجر عليه، فأنا لم أكن سآخذ منه طيلة حياته مثل الأجر الذي سآخذه في صبري على مصيبتي فيه ". إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينبهنا بقوله: إياك أن تظن أن الحسنة هي ما تستطيبه نفسك، أو أن السيئة هي ما تشمئز منها نفسك، لا، فالمصاب في عرف الشرع هو من حرم الثواب.

ولذلك جاء القول: ﴿ قل كل من عند الله.. ﴾ [النساء: 78] أي أن الحسنة والسيئة من عند الله. وهل يصنع الله سيئة؟ ونقول: نستغفر الله، فالسيئة في نظر الإنسان والحسنة في نظر الإنسان، وكلها من عند الله، ولكن إذا نسبنا الفعل إلى الله فكل ما يصدر عنه حسن، وافتقاد المقاييس الصحيحة هو الذي يتعب. وعندما نحاول أن نحسب مثل تلك الأمور بحساب الكمبيوتر تستقيم لنا النتائج. ومثال ذلك: تلميذ أهمل في المذاكرة وفي حضور الدرس لذلك فهو يرسب آخر العام، ولكنه ينظر إلى الرسوب على أنه سيئة، ولكنها في عرف الحق عموما حسنة. فنجاح مثل ذلك الخائب ضياع لمقاييس الاجتهاد ولما ذاكر أحد ولا نطمس العلم. وحينما وضع الله قانون أن من لا يستذكر يرسب، فهذا إحياء للحسنة في آلاف غيره، ويكون الراسب نموذجا واضحا ووافيا وتطبيقيا، وخاضعا لسنة الكون. وكذلك الذي لم يزرع أرضه أو تكاسل عن الحرث أو أهمل الري، فهو يأتي يوم الحصاد ولا يؤتي ثمارا وهذا أمر سيئ بالنسبة له، أما بالنسبة لقضية الحق الكونية في ذاتها فهي حسنة لأن ذلك يدفع كل واحد إلى عدم إهمال أي سبب من الأسباب فالمصاب بنتيجة عمله يفسر المصيبة على أنها سيئة لأن فيها مساءة وإضرارا به، ولكن لو قاس مسها له بما فعله لوجد أن ذلك هو سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا. وحين يضع الحق سبحانه وتعالى سننا في كونه فالذي يأخذ بالأسباب يعطيه، ويحرم سبحانه من لا يأخذ بالأسباب. وعندما نقيس الأمور بهذا المقياس نرى الناجح هو المجد، والمتكاسل هو الراسب، والنتيجة كلها من عند الله تقنينا كونيا. والحق سبحانه وتعالى حينما يعرض أقوال طرف فإن كان مقرا بما فيه يتركه من غير تعليق عليه، وإن كانت قضية باطلة يكر عليها بالحجة ليبطلها ويدحضها. وهذا يلفتنا إلى أن الحق سبحانه وتعالى لا يريد أن نلف قضايا الخصوم لفا بحيث لا نعرفها، ولكنه يعرض قضية الخصوم عرضا ثم يكر عليها بالنقد ليربى - كما قلنا - المناعة الإيمانية، حتى لا تفاجئ قضية كفرية عقيدة إيمانية فسبحانه يعرض قضايا الكفار ويوضح لنا: سيقولون كذا فقولوا لهم كذا. مثال ذلك: عندما قالوا: إن الله اتخذ ولدا قال الحق:

كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا

[الكهف: 5]. فهو سبحانه يعرض قضايا الخصوم لأن الذي يحاول أن يلف قضية الخصوم يكون مشفقا منها، لكن من يعرضها ينبه عقل السامع إليها ليبطلها ويقول: " هاي هي ذي نقاط الضعف في هذه القضية ".

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٠٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٠٥١