تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة..

[التوبة: 111]. إنه شراء وبيع. وأيضا قال سبحانه في الصفقة الإيمانية:

هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم

[الصف: 10]. إذن فالله يعاملنا بملحظ النفعية الإنسانية، واللبق، الفطن، الذكي هو الذي يتاجر في الصفقة الرابحة أو المضمونة أو التي تكون جدواها والفائدة منها أكثر من سواها. فلو أننا قارنا الدنيا، لعلمنا أنها مهما طالت لا تؤثر ولا تزيد في عمر الفرد لأن الدنيا تطول في الزمن، لكنها بالنسبة للأفراد تكون بمقدار عمر كل واحد فيها، لا بمقدار أعمار الآخرين، فإن دامت للآخرين طويلا، فما دخل الفرد في ذلك؟ إذن فالدنيا بالنسبة للفرد هي زمن محدد، والله يبشر المؤمن الذي يقتل في سبيله أنه يأخذ من الصفقة زمنا غير محدود. وأيضا فالبقاء في الدنيا بدون قتل وإلى أن يموت الواحد حتف أنفه، هو بقاء مظنون وغير متيقن. ونحن نرى من يموت طفلا أو شابا أو كهلا. أما الآخرة فهي غير محدودة وهي متيقنة. إن النعيم في الدنيا يكون على مقدار تصور الفرد للنعيم وإمكانات الفرد في تحقيق النعيم. وأما النعيم في الآخرة فيكون على المقدار الذي أعده الله لعباده بطلاقة قدرته وسعة رحمته. فإن قارنا صفقة الدنيا بالآخرة لوجدنا أن متاع الدنيا على فرض أنه متاع هو قليل بالنسبة للآخرة. إذن فالحق ينمي فينا قيمة الصفقة الإيمانية، ويعلم أن كل إنسان يحب الخير لنفسه، فلا يظنن أحد أن الدين جاء ليسلبه الحرية، أو ليستذله، فالدين إنما جاء ليربب للمؤمن النفعية وينميها له. ومثال ذلك عندما منع الدين واحدا أن يسرق الآخرين فهو قد منع أيضا كل الآخرين أن يسرقوا من أي واحد، وبذلك يكسب كل إنسان حماية الدين له، فحين يمنع الواحد عن فعل خطأ في حق الآخرين فهو قد منع الآخرين وهم ملايين أن يخطئوا في حقه. فإذا قال الدين لواحد: لا تمد عينيك إلى محارم غيرك، ففي هذا القول ما يوصي كل غير في الدنيا: لا تمدوا أعينكم إلى محارم فلان، فالكسب العظيم - إذن - يعود على الفرد. وقول الحق: ﴿ قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى.. ﴾ [النساء: 77] يوضح لنا عظمة الصفقة الإيمانية، وبعد ذلك يؤكد لنا العدل في قوله: " ولا تظلمون فتيلا " ونعرف أن الفتيل هو ما فتل من الأقذار حينما يدعك الإنسان كفيه معا، فيخرج ناتجا كالفتلة، أو الفتيل هو الفتلة في بطن النواة، أي لا نظلم حتى في الشيء التافه. والعدالة هنا بمشروطها لأن الله أوضح أن من يصنع السيئة يجازي بسيئة مثلها، ومن يصنع حسنة يجازي بعشرة أمثالها أو أكثر.

وهكذا لا ترهق العدالة مؤمنا لأنها تأتي بفضلها، فالحسنة بعشر أمثالها أو أكثر، وتحسب الحسنة عند الله في ميزان العدالة بما أخذ من الفضل، فلا يقولن واحد: إن هناك عدلا من الله بدون فضل. إذن فقول الحق: ﴿ ولا تظلمون فتيلا ﴾ [النساء: 77] هو بضميمة الفضل إلى العدل. ولذلك نحن ندعو الله قائلين: اللهم عاملنا بالفضل لا بالعدل لأن مجرد العدل قد يتعبنا. وندعو الله: وبالإحسان لا بالميزان لأنه لو عاملنا بالميزان قد نتعب. وندعو الله: وبالجبر لا بالحساب، والجبر هو أن يجبرنا الله، وهكذا نرى أن قوله الحق: ﴿ ولا تظلمون فتيلا ﴾ [النساء: 77] بلاغ من الحق لنا: أننا سنعدل معكم بالفضل فتكون السيئة بواحدة، وتكون الحسنة بعشر أمثالها أو أكثر. وقوله الحق: ﴿ ولا تظلمون فتيلا ﴾ [النساء: 77] يعني فيما قضى به سبحانه متفضلا بالفضل مع العدل. وسبحانه يريد أن يطمئننا على أن قضايا الإيمان يجب أن يحافظ عليها، فإياك أن تظن أن عملك هو الذي سيعطيك الجزاء، إنما فضل الله هو الذي سيعطيك الجزاء. يقول الحق:

قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٠٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٠٤٦