تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿ إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال.. ﴾ [النساء: 77] وكأنهم قد نسوا أنهم طلبوا القتال، كي نعرف أن النفس البشرية حين تكون بمنأى عن الشيء تتمناه، وعندما يأتيها تعارضه. ﴿ وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب.. ﴾ [النساء: 77] فهل جاء هذا الكلام منهم على سبيل الاستفهام؟ يوضح الله لنا ذلك: إنهم يقولون: يا رب لماذا ابتليتنا هذا الابتلاء، وقد لا نقدر عليه في ساعة الخوف من لقاء المعارك؟ لذلك طلبوا أن يؤجل الله ذلك وأن يجعلهم يموتون حتف أنوفهم لا بيد العدو، وكلمة ﴿ إلى أجل قريب.. ﴾ [النساء: 77] توضح أن كل واحد منهم يعي تماما أنه سيموت حتما، لكن لا أحد منهم يريد أن تنتهي حياته بالقتل. ولماذا لا تطلبون التأخير؟ أحبا في الدنيا ومتاعها؟ ويأتي جواب الحق: ﴿ قل متاع الدنيا قليل.. ﴾ [النساء: 77] ولا يصح أن تحرصوا عليه أيها المؤمنون حرصا يمنعكم أن تذهبوا لتقاتلوا، فكلكم ستموتون، وكل منا يجازيه ربنا على عمله، أما الذي يقتل في سبيل الله فسيجازيه على عمله فورا، ويعطيه حياة أخرى مقابل الموت. لأنه سيأخذ الشهادة، ولذلك يأمر الحق رسوله بأن يقول: ﴿ قل متاع الدنيا قليل والآخرة.. ﴾ [النساء: 77] إن قارنته بما يصل إليه المرء من ثواب عظيم إن قتل في الحرب جهادا في سبيل الله. قال بعضهم: إذا كان لا مفر من الموت، فلماذا لا نذهب لنقاتل في سبيل الله، فإن قتلنا فليكن موتنا بثمن زائد عن عملنا، إذن فهذا تربيب وتنمية للفائدة، ولذلك قال الحكيم:

ولو أن الحياة تبقى لحي

لعددنا أضلنا الشجعان

أي أن الحياة لو كانت تبقى لحي لكان أضل ناس فينا هم الشجعان الذين يقتلون أنفسهم في الحرب، لكن المسألة ليست كذلك، والشاعر العربي يقول:

ألا أيها الزاجري أحضر الوغي

وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي

والمتنبي يقول:

أرى كلنا يبغى الحياة لنفسه

حريصا عليها مستهاما بها صبا

فحب الجبان النفس ورثه التقى

وحب الشجاع النفس أورده الحربا

إذن فالاثنان يحبان نفسيهما، لكن هناك فرقا بين الحب الأحمق والحب الأعمق. وعندما ننظر إلى إجمالي السياق في الآية نجد أن الحق سبحانه يربي - في صدر الإسلام - الفئة المؤمنة تربية إيمانية لا تخضع لعصبية الجاهلية ولا لحمية النفس، ففريق من المؤمنين بمكة الذين ذاقوا الاضطهاد أحبوا أن يقاتلوا، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم يبلغهم أنه لم يؤمر بالقتال بعد، وأمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وأن يصبروا على ما هم فيه حتى يأذن الله بالقتال، وتلك تربية أولى للفئة المؤمنة لأن الإسلام جاء وفي نفوس العرب حمية وعصبية وعزة وأنفة، فكلما أهيج واحد منهم في شيء فزع إلى سيفه وإلى قبيلته وشنها حربا، فيريد الله سبحانه أن يستل من الفئة المؤمنة الغضب للنفس والغضب للعصبية والغضب للحمية، وأراد أن يجعل الغضب كله لله.

وحينما جاء الإذن بالقتال، جاء لا ليفرض على الناس عقيدة، ولا ليكرههم على إسلام، وإنما جاء ليحمي النفس الإنسانية من أن يتسلط عليها الأقوى الذي يريد أن يجعل الأضعف تبيعا له، فأراد سبحانه أن يحرر الاختيار في الإنسان فكان القتال حفاظا على كرامة الإنسان أن يكون تبيعا في العقيدة لغيره، وبعد ذلك يعرض قضية عرضا عقليا فمن استجاب له فمرحبا به، ومن لم يستجب فله أن يظل على دينه. وهذا يدل على أن الإسلام دين منع التسلط على عقائد الناس، وضمن لهم الحرية في أن يختاروا ما يحبون من العقائد بعد أن بين لهم الرشد من الغي. وحينما شرع الله القتال فقد شرعه دون أن يكون هناك أدنى تدخل لغضب النفس ولا لحميتها ولا لعزتها، ويشاء الحق سبحانه وتعالى أن يصور العواطف الإنسانية التي تواجه الإسلام ويواجهها الإسلام تصويرا طبيعيا. فبين لنا أن الطبع الإنساني يعالج بالتربية، ولهذا نجد أن بعضا من الذين طلبوا القتال خافوا: ﴿ إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية.. ﴾ [النساء: 77]. إذن فهناك فرق بين نظرية أن نقاتل، وأن نخوض القتال بالفعل لذلك تجد أن منهم من خاف الذهاب إلى القتال خشية أن يقتلوا، والقتل كما تعلمون: هدم بنية، ولكن الموت حتف الأنف هو الذي يسحب به الله الروح الإنسانية، دون هدم بنية أو نقص لها. وأيضا فالقتال يكون مظنة القتل، والخوف من القتال مظنة التراخي في الأجل، فالقتل موت مقرب أمام المقاتل، لكن الموت حتف الأنف علمه عند الله لذلك قالوا: ﴿ ربنا لم كتبت علينا القتال.. ﴾ [النساء: 77]. فهل كان طلبهم للقتال لقصد الحمية، وسبحانه يريد أن يبرئ المؤمن أن يكون قتاله للحمية لأنه جل وعلا يريد أن تكون المعركة إيمانية لتكون كلمة الله هي العليا حتى ولو كان المخالف له صلة نسب أو صلة عصب أو صلة عواطف. والحق سبحانه وتعالى يريد أن يعلمنا ذلك لأن الأمة الإسلامية ستواجه عنفا شرسا في تثبيت قاعدة الاختيار الإيماني في البشر، فقال الحق لرسوله صلى الله عليه وسلم: إن قالوا لك ذلك ﴿ قل متاع الدنيا قليل.. ﴾ [النساء: 77]، فالحرص على أن يستبقي المؤمن نفسه من القتل ليموت بعد أجل قريب يعني أن يريد أن يأخذ من الحياة فرصة أكبر، فأوضح الحق: لا، ضعوا مقياسا تقيسون به الجدوى، فسبحانه قال:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٠٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٠٤٥